يحلو لنا جميعاً بين وقت وآخر أن نقلب أوراق الذاكرة؛ تمنحنا الذكريات حالة من الزهو بأنفسنا وإنجازاتنا رغم تواضعها، خاصة حين نأخذ في سردها أمام الآخرين؛ ربما لأننا نمارس عملية انتقائية فيما نتذكره كي نبدو مقنعين أو شبيهين بالأبطال، الذين يمتلكون مشروعاً إنسانياً في الحياة يعيشون ويتحركون من أجل تحقيقه. عملية استحضار الذاكرة أو الذكريات عملية معقدة وليست سهلة حين نمارسها على الملأ ونريد أن نبدو في كامل مصداقيتنا ونزاهتنا أيضاً.
من الذكريات التي تحلو للجميع استحضارها تلك الأمور والسلوكيات التي قاموا بها للمرة الأولى في حياتهم؛ مثل أول كتاب قرؤوه وأول مرة سافروا فيها دون أن يكونوا بصحبة العائلة، وأول حب عاشوه، وأول صديق اكتشفوا معه معنى الصداقة ولا يزال في حياتهم منذ تلك اللحظة... حكاية أول شيء هي حكايتنا ونحن نتلمس طريق المعرفة، ونحن نكتشف مفردات الحياة التي ستصير فيما بعد أفكارنا وطريقة تعاملنا مع الناس والتفاصيل، لذلك فحين أتذكر أول كتاب قرأته لا أجد سوراً فاصلاً بيني وبينه، بل أجده قد خلق لي حياة موازية مع حياتي بطلها ذلك الكتاب بكل ما فيه، حياة ما زالت تصحبني دون أن تكف عن اختراع مفاجآتها الرائعة.
اشتريت أول كتاب بصحبة جدتي التي أقمت عندها بعضاً من سنوات طفولتي المبكرة، الجدة أم أخرى في النهاية، بقي الكتاب ورحلت جدتي، ثم ضاع الكتاب وبقيت تفاصيله التي تروي سيرة حياة ماري كوري مكتشفة عنصر الرادون المشع، الذي بسببه نالت جائزة نوبل مرتين: واحدة في مجال الفيزياء والثانية في الكيمياء؛ كانت حياة عظيمة وتفاصيل مبهرة لامرأة منحت حياتها للعلم والكشف، وماتت بسبب ذلك العنصر الذي اكتشفته، والذي تسللت إشعاعاته القاتلة واغتالت الحياة في جسدها النحيل.
منذ سنتين تقريباً أقمت في فندق في جبال كروشنا بجمهورية التشيك، كان عبارة عن منتجع صحي يعالج الراغبين في الاستشفاء بمياه الرادون، حين دخلت الفندق لأول مرة وجدت صورة مدام كوري تتصدر صالة الاستقبال؛ فاجأني وجود الصورة، لكنني علمت لاحقاً أنها عاشت في إحدى غرف الفندق نفسه منذ 100 عام فترة اشتغالها باكتشاف الرادون الذي توصلت إليه في هذه المنطقة تحديداً، بعد أن وصلتها -وهي تقيم في باريس- أخبارٌ حول شفاء إصابات عمال مناجم تعرضوا بشكل منتظم لسقوط مياه من شقوق الجبال التي كانوا يعملون في أنفاقها!
وأنا أنظر لصورتها وجدتني أسترجع ذلك المشوار البعيد: جدتي وأنا، نركب سيارة أجرة وننزل وسط ميدان جمال عبدالناصر في ديرة، حيث تقبض جدتي على يدي لتدخلني مكتبة منزوية، وهناك تشتري لي كتاباً سيكون أول كتاب أقرؤه، يحكي قصة حياة امرأة عظيمة ماتت لأجل الآخرين، والتي كتب لي الحظ أن أتشارك معها سكنى الفندق نفسه بفارق 100 عام.