فيما المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بعيد الأضحى المبارك، تظللهم وحدة الإيمان والقرآن، نجد لزاما علينا تذكيرهم بالدروس والعبر الكثيرة التي تحملها هذه المناسبة الغالية على قلوبهم والتي نسيها البعض أو تناسوها في غمرة المتغيرات والمستجدات التي تعصف بهم وحولتهم الى شيع وأحزاب ودول متنافرة متطاحنة.

من هنا فإن أهمية الحج الأكبر، والوقوف بـعرفات الخير، هي التأكيد على وحدة المسلمين، والتأكيد على أن الدين القويم الحنيف الذي يجمعهم ويوحد قلوبهم هو سر كينونتهم، وسر وجودهم وتجذرهم في الأرض، وفشل كل الحملات البربرية عبر التاريخ التي جاءت لاقتلاعهم بدءا من التتار والصليبيين وليس انتهاء بالصهيونية، وان هذا الدين يجمع ولا يفرق، ويقوم على الاعتدال والوسطية، ويرفض التطرف والعنف ويمجد الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، والحوار الصادق البنّاء.

ومن هنا فدم المسلم على المسلم حرام، كذلك ماله وعرضه.. وبالتالي فالحوادث المريعة التي حفلت بها المنطقة -حيث تناسلت وتكاثرت الجماعات المتطرفة- ظاهرة غريبة على ديار الإسلام والمسلمين، وتسيء لهذا الدين الحنيف، ولا تخدم إلا إعداءه، الذين وجدوها فرصة لإلصاق تهمة الإرهاب به، وهو ما انتهزه الصهاينة المجرمون ليوصموا حركات المقاومة بالإرهاب، علما بأنها تعمل وفقا للقانون الدولي.

إن قوة المسلمين تنبع من تضامنهم ووحدتهم، وان الخلافات التي تأكل الأمة كما يأكلها المرض العضال كانت -ولا تزال- السبب الرئيس بوصولها الى هذا الوضع العاجز البائس، الذي أغرى أعداءها بنهش لحملها الحمى، واستباحة مقدساتها، والاستيلاء على مقدراتها وثرواتها، ولا سبيل أمامها إذا إرادت فعلا ان تخرج من دائرة العجز والضعف، إلا كنس الخلافات، وطي سياسة الخنادق المتقابلة، والعودة الى النبع الصافي، والى جذر الأمة، لتعود كما أرادها البارئ “خير أمة أخرجت للناس” كسبيل وحيد للخروج من مربع ردة الأفعال، الى مربع صناعة الأحداث، وكتابة التاريخ من جديد.

لقد أكد الربيع العربي الذي هز الأمة من الأعماق جملة حقائق ومعطيات أهمها: ان على الحكام ان يستجيبوا لإرادة الشعوب في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة، وان يردوا الأمانات الى أهلها “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” بعد فشل سياسة الاحتكام للقوة والقبضة الأمنية، ولعل ما يحدث في سوريا الشقيقة يعد درسا لكل الأنظمة بضرورة التسليم بخيارات الشعوب وعدم الانجرار الى طغيان القوة العسكرية والتي من شأنها تحويل البلاد الى ارض محروقة، وفتح الباب على مصراعيه للحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية.

مجمل القول: في رحاب الأضحى المبارك وفيما حجاج بيت الله الحرام يرمون إبليس بالحصى.. نذكر الأمة بأن نهوضها مشروط بالعودة الى كتاب الله وسنة نبيه، والقضاء على الخلافات، وإرث داحس والغبراء ومتاهة البسوس، والعودة الى التضامن الحقيقي، ونبع الإسلام الصافي القائم على الوسطية والاعتدال، والكلمة الطيبة.

ونبذ التطرف والإرهاب، وقبل ذلك وبعده إلى تحرير إمكانات الأمة وارادتها، ومعانقة مبادئ الربيع العربي فهو السبيل الوحيد لبناء الدولة المدنية الحديثة القادرة على طي صفحة الاستبداد والفساد، وتشريع صفحة الحرية والكرامة والديمقراطية القادرة على تحرير القدس والأقصى.

وكل عام والوطن وقائد الوطن بخير.