لا يكاد الهدوء يسكن في سماء لبنان حتى تعاود رشقات النيران من جديد مبددة ذلك الهدوء الذي يبحث عنه جميع اللبنانيين وليس أهالي جبل محسن وحي باب التبانة وحي القبة في طرابلس الذين تشير حصيلة المواجهات الدائرة بين علويين وسنة ـ حسب التصنيف الطائفي الذي يحاول الغرب تكريسه بين أتباع الدين الإسلامي متخذًا منه مدخلًا له لتمزيق عرى أتباع خاتم الديانات السماوية ـ إلى سقوط أكثر من ثلاثة عشر قتيلًا وستة وثمانين جريحًا منذ تفجر المواجهات، وذلك على خلفية الأزمة السورية التي يعمل الغرب المتمثل في الولايات المتحدة وحلفائها والمرتمين في أحضانها على تأجيج أوارها وصب المزيد من الزيت على نارها، منتهِزًا حالة الفوضى التي تشهدها سوريا لابتزاز أولئك المحتجين السوريين تحت ستار مناصرتهم لتحقيق مطالبهم التي خرجوا من أجلها.
وبحكم علاقة الجوار المتينة وعلاقة الأسرة الواحدة التي تميز سوريا ولبنان، ولكون سوريا هي الرئة التي يتنفس منها لبنان والتي ساهمت بدور كبير في دعم مقاومة لبنان لاحتلال صهيوني غاشم يسعى إلى استباحة لبنان وجعله حديقة خلفية له، الأمر الذي لم يرُقْ للكيان الصهيوني وحلفائه وداعميه، أقبل لبنان على سيناريوهات غربية من أجل فك ارتباطه مع سوريا وعزله عنها بدأت باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ثم عدوان عام 2006، لتفصح وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس عن حقيقة تلك السيناريوهات والتدخلات في لبنان بأن هناك مشروعًا أميركيًّا جديدًا للمنطقة تجري بلورته وهو ما يسمى "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، إلا أن الصمود السوري واللبناني وصمود المقاومة اللبنانية أفشل هذا المشروع في تلك الأثناء، وها هي تلوح الفرصة لمحاولة الكرة من جديد، حيث ينظر إلى أن لبنان وسوريا هما البوابة الحقيقية للمشروع الجديد والتي لا تزال مستعصية إلى الآن، وتمثل الفوضى والمواجهات الدائرة في الداخل السوري الفرصة الذهبية لبلورة المشروع بعد النجاح في الإطاحة بليبيا وتدميرها وقبله العراق، وفصل السودان وإدارة الفوضى وتغذية عنف القاعدة في اليمن وتحريض جنوبه على الانفصال. ولذلك فإن الولايات المتحدة وحلفاءها وعرَّابيها يعلمون أن تأجيج العنف والعمل على إراقة المزيد من الدماء في سوريا سوف تكون له آثاره على من يجب أن تصلهم فوضى ما يسمى "مشروع الشرق الأوسط الكبير" وأولهم لبنان، وكذلك العراق الذي على الرغم من تدمير الولايات المتحدة بناه التحتية وإبادة شعبه وتحويله إلى دولة فاشلة يتحسب هو الآخر بأن المعركة القادمة ستكون على أبواب بغداد بعد الإطاحة بالحكومة السورية، وذلك لكون أن الغرب قد أعدَّ الدول التي مزقها لتكون قواعد دائمة لتنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية والتكفيرية.
يبقى الرهان الآن على لبنان وشعبه في تفويت المخطط وإفشال المشروع الأميركي مثلما أفشلوه من قبل، والانتباه إلى أن سوريا هي الرئة التي يتنفسون بها، وأن تمزيقها يعني أنهم قد حكموا على أنفسهم بالاختناق.