كافة المعطيات والمؤشرات تؤكد ان الازمة السورية قد دخلت مرحلة الاستعصاء، وان الحرب الاهلية التي انزلق اليها القطر الشقيق ستطول أكثر مما يتوقع الجميع، في ظل التدخلات والصراعات الدولية، بعد عودة الحرب الباردة، وقد وجدت من الساحة السورية ميداناً لتصفية الحسابات.

وفي هذا الصدد، لا بد من الاشارة الى حقيقة مهمة تعتبر سبباً رئيساً لما يحدث، وسبباً رئيساً في استمرار الكارثة التي حصدت حتى الآن اكثر من 25 الف مواطن، ونعني غياب الموقف العربي الفاعل والقادر على انقاذ الشعب السوري الشقيق من المحرقة، ومن الحرب القذرة التي حولت الشام.. ريحانة الله في ارضه الى أرض محروقة، وحولت مدن الثورة الى مدن منكوبة، يسكنها الموت، ويعمها الخراب، وقد هرب أهلها الى دول الجوار، فراراً من المأساة المروعة، او الى مدن وبلدات اخرى في الداخل ايثاراً للسلامة.

ومن ناحية اخرى، فلقد أثبتت هذه الازمة ان المجتمع الدولي ليس معنياً وبشكل جدي بانقاذ الشعب السوري، وانما معني بمصالحه، وان الخاسر الوحيد هو الشعب الشقيق، الذي فقد عشرات الآلاف من ابنائه بين قتيل وجريح، ودمر اقتصاده وبنيته التحتية، واصبح مهدداً بالتقسيم الى دويلات متناحرة متقاتلة على أسس طائفية ومذهبية.

ان الدرس الاول والاهم من هذه الازمة المستعصية، والتي تحولت الى طاحونة للموت، وهو درس لكل الحكام الطغاة.. يتمثل في فشل الحلول العسكرية والامنية، التي لجأ اليها النظام، رافضاً الاستجابة لمطالب الشعب الشقيق المشروعة في الحرية والكرامة، والديمقراطية والتعددية الحقيقية، والانتخابات النزيهة، وصولاً الى تداول السلطة، احتكاماً لصناديق الاقتراع، لاقامة الدولة المدنية الحديثة، ووضع حد للدولة الشمولية، والحزب القائد، وسياسات التوريث.

ومن هنا، فلو استجاب النظام لهذه المطالب المشروعة، وفتح باب الحوار البناء الهادف مع المعارضة لما وصلت الامور الى ما وصلت اليه، ولما تحولت الشام الى ساحة للصراعات الدولية، وطاحونة لموت يخطف الابرياء، وللحرب الاهلية، التي تشي بحرق الاخضر واليابس، والقضاء على الدولة السورية الموحدة، واقامة دويلات طائفية متناحرة.

لقد أثبتت الاحداث والوقائع صوابية الرؤية الاردنية، حينما دعا جلالة الملك المجتمع الدولي والفرقاء في الداخل لضرورة تبني الحل السياسي، كسبيل وحيد لانقاذ البلاد والعباد من الكارثة التي انزلق اليها الجميع.

مجمل القول: مؤلم جداً ان تصل الازمة السورية الى مرحلة الاستعصاء في ظل الصراعات الدولية والاقليمية التي حولت القطر الشقيق الى ميدان للحرب الباردة، ومؤلم أن يغيب الموقف العربي الموحد، القادر على انتشال القطر الشقيق من الكارثة التي تحيق به، وان لا سبيل أمام الشعب الشقيق لنزع فتيل هذه المحرقة، إلا باعتماد الحل السياسي، بعد فشل الحلول العسكرية والامنية، آملين من الأمة ان تنهض بمسؤولياتها وتعمل على انقاذ الشعب الشقيق من الكارثة التي حصدت اكثر من 25 الف انسان بريء، قبل ان يصل شرر النيران الى الجميع.

والله المنقذ.