هل القضية الفلسطينية بمعزل عن ما يعتري الوطن العربي من فوضى وتدخلات خارجية أصبحت أهدافها معلنة؟
الواقع يؤكد أن المنطقة بأكملها داخلة في هذا الحراك الفوضوي الذي يعتري العديد من دولها، حتى تلك التي لا تزال بمنأى عنها إلى الآن ومن ضمنها القضية الفلسطينية باتت أنواء التغيير الغربية على أعتاب أبوابها.
إذا كانت الدول التي تعاني الآن من الفوضى الأميركية الخلاقة ـ وفق المسمى الذي أطلقته كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة ـ قد نجح الغرب في إحداثها بمعاونة عربية وتجييرها لصالحه، فإن القضية الفلسطينية ليست بمعزل عن هذا بصورة أو أخرى، إذ يحاول الاحتلال الإسرائيلي أن يستفيد من هذا الوضع القائم وهذه الفوضى القائمة والمستمرة والتي ما أُحدِثت واختلقت في المنطقة لهز استقرارها وضرب أمنها وإسقاط حكوماتها وتغيير أنظمتها إلا من أجل أن يبقى هذا الاحتلال الغاصب هو الماكن الأمكن في المنطقة ذا السطوة والقوة والمنعة، بحيث تقزم أمامه دول المنطقة التي ستكون وفق أهداف الفوضى عبارة عن دويلات طائفية متناحرة.
ولذلك والحال هذه، ليس غريبًا أن يتقدم الكيان الصهيوني خطوة جديدة باتجاه الاستفادة من هذه الفوضى، بحيث إن أنواء التغيير يجب أن تصل إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، كونها وفق المقاربة تعد نظامًا عربيًّا قائمًا يتولى رعاية شؤون شعب، وذلك بدعوة اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط إلى تنحية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتغيير القيادة الفلسطينية بأكملها، وذلك عبر تنظيم انتخابات عامة في مناطق السلطة الفلسطينية، والعنوان الكاذب والأبرز في ذلك هو تقوية القيادة الفلسطينية وأن عباس غير مهتم وغير قادر على التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يضع حدًّا للنزاع.. حسب الرسالة التي بعث بها أفيجدور ليبرمان وزير خارجية الكيان الصهيوني إلى ممثلي اللجنة الرباعية.
أما العنوان الآخر والأبرز الذي يدحض هذا الافتراء، ويكشف حقيقة هذه الدعوة المملوء بمشاعر الغيظ والحقد والكره تجاه الرئيس الفلسطيني، فهو تصرفات عباس بإعلان تشبثه بالحق الفلسطيني والتي قال عنها المتطرف ليبرمان إنها "تشير بوضوح إلى أنه غير معني أو غير قادر ـ نظرًا لموقفه في الساحة الداخلية الفلسطينية مقابل حماس وفي ضوء الوضع الجيوسياسي في المنطقة ـ للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يضع حدًّا للنزاع"، وأنه "يخلق ثقافة توجيه اللوم إلى "إسرائيل" على تأخير العملية عبر محاولة تحقيق فوائد من دون مفاوضات من خلال الابتزاز والمحاولات المستمرة لتدويل النزاع".
فإذًا تمسك القيادة الفلسطينية بالحق الشرعي للشعب الفلسطيني واستخدام الوسائل السلمية الشرعية والقانونية لاسترداده هو الدافع إلى هذه الدعوة، ولكي يطيح المتطرف ليبرمان بالقيادة الفلسطينية أسوة بما حدث في دول عربية من الإطاحة بحكوماتها وجارٍ العمل على إسقاط أخريات، بحجة أن "الحل المبتكر" ـ كما يراه المتطرف ـ لحل جمود محادثات السلام هو إجراء انتخابات فلسطينية داخلية.
وللتذكير وللتاريخ فإن الرئيس الراحل ياسر عرفات حين تمسك بالحق الشرعي للشعب الفلسطيني تمت محاصرته في المقاطعة بضوء أخضر أميركي، والضغط عليه للموافقة على استحداث منصب رئيس وزراء والإصرار على تعيين محمود عباس فيه، ومن ثم المباشرة في القضاء على عرفات، وها هي الأيام تدور ويعيد التاريخ نفسه مجددًا ليعطينا الحقيقة الساطعة التي لا تقبل الشك أن من كان ولا يزال يعرقل عملية السلام ويتنمر للحق الفلسطيني والعربي ويدبر المؤامرات والفتن ويشن الحروب هو الكيان الصهيوني.
واضح أن الدعوة إلى تغيير القيادة الفلسطينية تأتي في إطار التوجه والمزاج العام الساسي للزعامات الغربية والأميركية خاصةً باستبدال الأنظمة والحكومات والإتيان ببديلة يسهل على الغرب التعامل معها. صحيح أن هذه الدعوة تعبر عن لغة المافيا وأهلها ـ وفق توصيف السلطة الفلسطينية ـ لكن هذه المافيا هي من يقود أنواء التغيير في المنطقة الآن وكل من دعَّمها أو وفَّر الغطاء لها ستأتيه يومًا ما، هذه هي لغة المافيا خاصة إذا كان يقف وراءها كيان احتلالي غاصب يرفض الاعتراف بحقوق الشعوب في العيش في مناخ من الاستقرار والأمان، لا سيما وأن دعوة المتطرف ليبرمان تتناغم وتتساوق مع ما صرح به منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط روبرت سيري في تل أبيب والذي زعم فيه أن السلطة الفلسطينية "السلطة الفلسطينية في رأيي، تفقد شرعيتها سريعًا الآن في نظر الشعب بسبب عدم تحقيق تقدم في الأهداف السياسية وإنشاء دولة فلسطينية تعيش جنبًا إلى جنب مع "إسرائيل" في سلام وأمن".