يصادف اليوم الثلاثاء الذكرى الثالثة والأربعين لجريمة إحراق المسجد الأقصى، ففي صبيحة مثل هذا اليوم الحادي والعشرين من أغسطس عام 1969م تسلل اليهودي المتطرف "دنيس مايكل" إلى المسجد ليرتكب هذه الجريمة العظيمة، ويضرم فيه النيران، حيث أتى الحريق حينها على ما مساحته 1500 متر مربع من أصل 4400 متر هي المساحة الإجمالية للمسجد، حيث أتت النيران على كامل محتويات الجناح الشرقي للمسجد الأقصى، بما في ذلك منبره التاريخي المعروف بمنبر صلاح الدين، كما هدد الحريق قبة المسجد الأثرية المصنوعة من الفضة الخالصة. ومن ضمن المعالم التي أتت عليها النيران، مسجد عمر الذي كان سقفه من الطين والجسور الخشبية، ويمثل ذكرى دخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مدينة القدس وفتحها، إضافة إلى تخريب محراب زكريا المجاور، ومقام الأربعين المجاور لمحراب زكريا، وثلاثة أروقة من أصل سبعة ممتدة من الجنوب إلى الشمال مع الأعمدة والأقواس والزخرفة، وجزء من السقف الذي سقط على الأرض خلال الحريق، وعمودي مع القوس الحجري الكبير بينهما تحت قبة المسجد، و74 نافذة خشبية وغيرها. كما تضررت أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والجدران الجنوبية، وتحطمت 48 نافدة في المسجد مصنوعة من الجص والزجاج الملون، واحترقت الكثير من الزخارف والآيات القرآنية.
 

غير أن ما يميز هذه الذكرى هذه المرة أنها تأتي وقد غَدَا ليس الوضع الفلسطيني وحده، وإنما الوضع العربي والإسلامي مهلهلًا مبعثرًا، كما أريد له أن يكون، وكما أراد الذين أزعجتهم ردود الفعل الأولى بُعيْد قيام المجرم بارتكاب جريمته بحق أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والتي كان من تداعياتها (أي الجريمة) عقد أول مؤتمر قمة إسلامي في الرباط بالمغرب، وإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم في عضويتها جميع الدول الإسلامية، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 271 لعام 1969 بتاريخ الـ15 من سبتمبر، والذي أدان الكيان الصهيوني لحرق المسجد الأقصى، ودعا إلى إلغاء جميع الإجراءات التي من شأنها تغيير وضع القدس المحتلة، والتقيد بنصوص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري.
 

إن اليوم لا يشبه يوم الذكرى الأولى لارتكاب الجريمة، بل إن اليوم أصبح مختلفًا كليًّا، له ظروفه ومتغيراته، له صفاته وعلاماته التي لا تخطئها العين، من فرقة وتشرذم وتبعثر، وأبواب مشرعة للمتدخلين في الشأن الداخلي، تحالفات مريبة لأشقاء ضد أشقاء، أو شقيق، تحالفات لإسقاط حكومات، وتحالفات لإلغاء أطراف وعدم الاعتراف بالآخر، ارتماءة غير مسبوقة في التاريخ العربي والإسلامي وخاصة العربي في حضن من انزعج بقرار الإدانة (271) الذي لم يتمكن ذوو الفيتو الشهير من استخدامه يومها، والذين انزعجوا وقلقوا من إعلان منظمة المؤتمر الإسلامي، إعلان قرأوا فيه إمكان اجتماع الأمتين العربية والإسلامية وتحالفهما وترابطهما لتخليص مقدساتهما والتدخل لإزالة الظلم ودفع المظالم عن أتباعهما. والفلسطينيون وهم في بيت القصيد وفي صلب المعركة ضد الاحتلال وعمليات التدنيس بحق المقدسات الإسلامية ليس وضعهم بأحسن حال، بل إنه انعكاس للوضع الكبير العربي والإسلامي، فقد نجح المنزعجون والقلقون من إشغال الجميع في أنفسهم، ليحكموا السيطرة عليهم، وقد كان لهم ما أرادوا. والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذا الوضع: ماذا هما صانعتان الأمتان العربية والإسلامية ما إذا أقدم يهودي متطرف على تكرار هذه الجريمة بحق الأقصى أو تعرض ـ لا سمح الله ـ للانهيار بسبب عمليات الحفر المتعمدة لنخر أساساته؟
 

إن إنقاذ المسجد الأقصى وسائر الأراضي الفلسطينية وكذلك العربية من التهويد وتطهيرها من دنس الاحتلال، بل إنقاذ القضية الفلسطينية برمتها أمانة ومهمة فلسطينية أولًا، وعربية وإسلامية ثانيًا، بدلًا من الهرولة إلى التطبيع وعقد اتفاقيات السلام والقيام بدور الشرطي حرصًا على أمن قطعان لصوص وسراق.. إن الأقصى يستغيث فهلا من منقذ؟