الآن وبعد الإعلان رسميا عن تعيين الدبلوماسي الجزائري المخضرم، الأخضر الإبراهيمي، مبعوثا خاصا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للسلام في سوريا، فإنه مع التأكيد على ما تميز به الأخضر الإبراهيمي باستمرار من مهارات دبلوماسية وخبرات متعددة، على المستويين العربي والدولي على امتداد السنوات الماضية، إلا أنه بخبرته ومتابعته للموقف والتطورات في سوريا من ناحية، وللصعوبات التي تعرض لها سلفه، كوفي عنان، في مهمته في سوريا التي تنتهي مع نهاية الشهر الحالي من ناحية ثانية، يسعى إلى شق طريق جديد يبني على ما تم من جوانب وخطوات إيجابية بشكل أو بآخر، وفي الوقت ذاته تجنب مكامن الضعف والسلبية التي أظهرتها المواقف المختلفة للأطراف المعنية بالأزمة السورية، حتى يمكنه الانطلاق بشكل يؤمن له النجاح.

ولأن الإبراهيمي لا يريد أن يتحمل سلبيات تعثر مهمة الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومبعوثها للسلام في سوريا، كوفي عنان، فإنه حرص على الإبقاء على كل الخيوط في يده، أو بمعنى أدق الإبقاء على كل خطوط الاتصال مفتوحة، مع كل الأطراف المعنية بالأزمة السورية، بما في ذلك بالطبع الحكومة والرئاسة السورية ممثلة في الرئيس السوري بشار الأسد، وفصائل المعارضة السورية، ومختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالتطورات في سوريا. ومع أنه وصف الموقف في سوريا بأنه « أمر مرعب» وأنه أشار إلى جانب أخلاقي دفعه للقبول بهذه المهمة الصعبة، حتى لا يترك مئات الآلاف من السوريين يعانون، وحتى يحاول الإسهام في تخفيف المعاناة بالنسبة لهم، وتهيئة المناخ لإمكان تحقيق حوار سوري يسمح بالخروج من عنق الزجاجة الراهن، فإن مما له دلالة عميقة أنه تجنب السير على خطى عنان فيما يتصل بالحديث عن تنحي الرئيس السوري، وهي نقطة قطعت في الواقع طريق مهمة عنان. ولذا فإن الإبراهيمي آثر أن يعطي نفسه الفرصة والوقت لكي يقف بشكل مباشر على مواقف كل الأطراف السورية، وليبحث عن مخرج مناسب يمكن منه الانطلاق إلى وقف القتال والتوصل إلى هدنة يمكن البناء عليها للتوصل إلى حل للأزمة التي يدفع الشعب السوري الشقيق ثمنها غاليا.

ومن جانب آخر فإنه مما له دلالة أيضا أن الإبراهيمي تجنب الإشارة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في التعامل مع السلطات السورية، وهو أمر يدل على ذكاء وحنكة دبلوماسية ورغبة منه أيضا لتشجيع السلطات السورية للتعاون معه، وتعزيز جهوده بالدعوة إلى دعم قوي وواضح من جانب مجلس الأمن الدولي بكل أعضائه. وهذه النقطة تحديدا شديدة الأهمية، لأن مجلس الأمن الدولي يملك، من خلال مواقف الدول دائمة العضوية فيه، مفتاحا مهما لإنجاح مهمة الإبراهيمي أو إثارة العقبات أمامها. ولذا فإنه يعمل وسيبذل قصارى جهده من أجل توفير سبل نجاح مهمته. ومن المهم والضروري، سوريا وعربيا وإقليميا ودوليا مساندة الإبراهيمي وتوفير كل ما يمكن أن يدفعه نحو النجاح خلال الفترة القادمة، أما محاولة تحويل الأزمة في سوريا إلى ساحة ومجال للصراع بين القوى الإقليمية والدولية من أجل مصالح تلك الأطراف، فإنه أمر لا يخدم السوريين على أي مستوى، ولكنه للأسف يستغل معاناتهم وهو أمر لا ينبغي أبدا