في كلمته اللافتة والمثقلة بالرسائل والدلالات والمعاني وضع جلالة الملك عبدالله الثاني قادة الدول المشاركة في اعمال القمة الاسلامية الاستثنائية الطارئة التي انهت اعمالها في مكة المكرمة يوم امس، امام مسؤولياتهم الدينية والاخلاقية والانسانية ازاء اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لدرء مخاطر التهويد المتصاعدة التي تتعرض لها القدس وبما يتطلب ذلك من موقف اسلامي يتصدى بحزم لمخطط التهويد ويوفر الدعم لأهالي القدس ويكرس صمودهم في وجه آلة الاستيطان الاسرائيلي ويمنح مظلة حماية للمقدسات الاسلامية والمسيحية فيها وبما يضمن في النهاية احباط ودحر محاولات تغيير التركيبة الديموغرافية ووضعها القانوني كمدينة تحت الاحتلال.

ان صوت جلالته المتميز والمبادر على الدوام في قراءته للمشهد الاقليمي والمعطيات التي تتحكم به وما تفرضه من اولويات هي التي حكمت اطر الكلمة التي القاها جلالته امام القمة الاسلامية الاستثنائية وخصوصاً انها كانت قمة ذات جدول اعمال كبير، فأراد جلالته ان يضع الامور في سياقاتها الطبيعية والاساسية وان يلفت انتباه قادة الدول الاسلامية الى زهرة المدائن وما تتعرض له من ظلم وعدوان وتهجير واستيطان وتغيير في ملامحها الاسلامية والعربية والهجمة الشرسة التي يتعرض لها المسجد الاقصى المبارك والمحاولات التي لا تتوقف لفرض واقع جديد في ساحات وجنبات الحرم القدسي الشريف بالاضافة الى استمرار عملية التهويد والتهجير..

كلمة جلالته كانت جامعة وشمولية في اطار رؤية ملكية تنهض على بلورة رؤية استراتيجية موحدة لدول العالم الاسلامي وبما يسمح بمواجهة التحديات والتحولات التاريخية غير المسبوقة التي يواجهها عبر التعاون والتكامل بين دوله وتوحيد مواقفه ضمن رؤية واحدة وقواعد مستمدة من جوهر الاسلام العظيم الذي يستدعي وبالضرورة تعزيز الامكانات والطاقات لحماية مصالح الامة الاسلامية من خلال مأسسة العمل المشترك وترجمته الى واقع ملموس.

مشاركة جلالة الملك في قمة مكة المكرمة الطارئة تعكس الاهمية التي يوليها الاردن للعمل الاسلامي المشترك وما يعول عليه جلالته من دعم للقدس ومقدساتها وتاريخها وحضارتها ومكانتها في الاسلام والحضارة الاسلامية وهو الدور الذي نهض به الاردن بعزيمة واقتدار رغم الصعوبات وصلف الاحتلال وارتكاباته إلاّ ان اصرار الاردن وبأوامر مباشرة من جلالته على عدم السماح بأي مسّ بالاماكن المقدسة او تجاوز للدور الاردني في تلك المدنية العظيمة التي لها ولشعبها مكانة خاصة في قلوب الهاشميين.

وكان طبيعيا في كلمة جلالة الملك امام قمة مكة المكرمة الاستثنائية الحيز المهم الذي منحه للحديث عن القضية الفلسطينية بما هي جوهر الصراع في الشرق الاوسط وان معاناة المنطقة دولاً وشعوبا من عدم الاستقرار ستتواصل إذا لم يتم التوصل الى تسوية عادلة وشاملة ودائمة للصراع الفلسطيني الاسرائيلي على اساس حل الدولتين الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على اساس حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وصولا الى تسوية دائمة وشاملة وعادلة للصراع العربي الاسرائيلي وفقا للمرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية التي طرحها خادم الحرمين الشريفين بحكمته المعهودة وحرصه الكبير على الدفاع عن القضايا العربية والاسلامية.

قصارى القول ان مشاركة جلالته الفاعلة والدؤوبة في قمم مهمة كهذه تنطلق من قناعات راسخة بأن الدور الاردني حيوي ومهم في قضايا المنطقة وان الدبلوماسية الاردنية لن تدخر جهدا من اجل الانتصار للقدس وفلسطين وكل القضايا والحقوق المشروعة لأمتنا العربية والاسلامية مهما كلف ذلك من تضحيات انسجاما مع دورنا الذي اضطلعنا به منذ بدايات القرن الماضي حتى الان.