ليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن مقابلة جلالة الملك عبد الله الثاني التي أجراها الإعلامي الشهير “تشارلي روز” ، وبثتها قناتا “بي بي إس” و”بلومبيرج” هي مقابلة تاريخية بكل معنى الكلمة، بل تمثل مرجعية سياسية يمكن العودة إليها لتحليل ودراسة مواقف جلالة الملك والدولة الأردنية تجاه كافة القضايا العربية والمحلية الساخنة في الفترة الحالية.

بالنسبة للمجتمع الأردني والرأي العام فإن المواقف الصريحة والمباشرة التي تضمنتها المقابلة حول أولويات الإصلاح في الأردن والتساؤلات المرتبطة بكافة جوانب المسيرة الإصلاحية تعد من أوضح المواقف على الإطلاق التي تضع النقاط على الحروف وتشكل القواعد الرئيسة التي سيمضي طريق الإصلاح اعتمادا عليها خلال الأشهر المقبلة.

لقد قدم جلالة الملك نظرة واضحة نحو مستقبل الإصلاح في كافة محاوره، ما سيجعل الخطوات القادمة أكثر وضوحا لدى كافة الشركاء في العملية السياسية الديمقراطية في البلاد.

حسم الملك موضوع قانون الانتخاب بالتأكيد على إجراء الانتخابات النيابية وعدم القيام باسترضاء أي جهات، بل أن في تصريحاته الكثير من النقد الصحيح لمواقف تيارات المعارضة، بخاصة تلك التي تريد تفصيل قانون انتخابات على مقاسها.

وقد أكد الملك على أنه في كل مرة كان يتم مد اليد من قبل الدولة لتلك التيارات كانت تطالب بالمزيد وترفض الحوار، وهذا ما يعني أنه في القرار الإستراتيجي لرأس الدولة سيتم المضي قدما في مسار الإصلاح دون انتظار المترددين والرافضين للاندماج في هذا المسار.

جلالة الملك الذي أكد أكثر من مرة على أنه على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية لا يمكن أن يقبل بالانحياز إلى تيار ما دون بقية المجتمع، بخاصة في حال كان ذلك التيار رافضا لمبدأ التوافق ضمن الحوار الوطني ويريد فرض موقفه ومصالحه على الجميع وهذا لن يحقق أي تقدم في مسار الإصلاح السياسي الذي يعكس الرغبة العامة للمجتمع.

لقد أوضح جلالته في المقابلة أن الأولوية الرئيسة التي يفكر بها في قانون الانتخابات هي تحسين عدالة التمثيل بخاصة في المدن حيث تم إقرار القائمة الوطنية لتساعد بدعم النشاط السياسي ومن ثم التطور نحو أحزاب سياسية كبيرة وقليلة العدد ومؤثرة باتخاذ القرار وممثلة للرأي العام تستطيع ان تتنافس لتشكيل الحكومات البرلمانية الحزبية بالطريقة السليمة.

يؤكد جلالة الملك ايضا أن الانتخابات النيابية القادمة ستكون الامتحان الحقيقي للجميع وستكون أفضل من أية انتخابات أخرى في الشرق الأوسط من ناحية النزاهة والتنظيم بخاصة من خلال إشراف الهيئة المستقلة للانتخابات، وهذا هو بيت القصيد.

وفي وقت تتباين فيه الرؤى حول طبيعة قانون الانتخاب، اشار جلالة الملك في المقابلة إلى أن الكثير من رجال الدولة والسياسيين المخضرمين قدموا تصورات مختلفة للقانون وأنهم كانوا ينزعجون لعدم الأخذ برأي كل منهم، وهذا ما يجعل التوافق عملية صعبة.

المطروح الآن هو انتخابات نيابية ستشكل علامة فارقة في تاريخ الدولة الأردنية ومن المهم أن تشهد مشاركة واسعة لتحقيق الحد المطلوب من التمثيل السياسي والتحول نحو الحياة الحزبية المنظمة والمؤثرة وتشكيل تيارات اليمين واليسار والوسط الكبرى وتنفيذ الأطر السليمة للحكومات المنتخبة.