ربما لا يشعر قادة حماس في قطاع غزة بالمخاطر المترتبة على حالة الانقسام التي أوصلتهم للسيطرة على قطاع غزة، وربما تحجب المناصب الوزارية عنهم أفق التفكير المنهجي الواقعي- ونفس الكلام ينطبق على قادة حركة فتح في الضفة الغربية، على الأقل قبل الحادث الآثم الذي وقع في سيناء أمس الأول وأسفر عن استشهد ١٦ جنديا وضابطا مصريا- لكن هذا الاعتداء الإجرامي، كائنة من كانت الجهة الغادرة التي تقف وراءه يجب أن يفتح عيون قادة حماس تحديدا على خطورة الوضع هناك، والناجم في الأساس عن الانقسام الفلسطيني، وغياب حكومة فلسطينية واحدة تتحمل المسؤولية عن الشأن الفلسطيني كله، في الضفة الغربية وفي قطاع غزة على حد سواء.
وأشارت التقارير إلى أن الحكومة المقالة حاولت جهدها تبديد السحب التي تلبدت في الأجواء عقب اعتداء سيناء، من خلال إبداء استعدادها للتعاون مع السلطات المصرية في التحقيق في الحادث، بل وتسليم من تثبت علاقته بالعملية الإجرامية لمصر. وما نأمله هو تن تنجح هذه الجهود. فليس هناك فلسطيني وطني واحد يرضى بأن تمس شعرة واحدة لجندي مصري. وما يجمع الفلسطينيين والمصريين هو تاريخ طويل من النضال والمشاعر المشتركة والآمال الواحدة.
لكن هذا الحادث المفجع يجب أن يفتح ملف المصالحة الفلسطينية بكل الجدية والالتزام الوطني المسؤول. فلم يعد مقبولا أن يتم استغلال الفرقة الفلسطينية لبث بذور التحريض والفتنة بين الشعبين الشقيقين. ومهما كان رأي المواطن الفلسطيني والمصري في الحركات الإسلامية، فهناك بالفعل مداخل ومنزلقات يمكن للمغرضين الدخول من خلالها لغايات يقصد بها الإساءة للقضية الفلسطينية ،وأحيانا الشعب الفلسطيني على سبيل التعميم المرفوض. والسبيل الوحيد لسد منافذ الفتنة هذه هو التوصل عاجلا لتحقيق المصالحة الفلسطينية، وإنهاء الانقسام المأساوي الذي بدأت مخاطره تلوح في الأفق.
وهناك جهات عربية وغير عربية، لها مصالح خاصة بكل منها، لا تريد للمصالحة أن تتم، والمفروض أن يتوفر لدى المسؤولين في "حماس" و "فتح" البصيرة النافذة لتحليل هذه المصالح، والتصرف بما تقتضيه المصلحة العليا للشعب الفلسطيني. ومهما كانت النتائج التي قد تستخلص من هكذا تحليل، فإن المخرج واحد من هذا الوضع الكارثي الذي يهدد بما قد يكون أسوأ، وهو الإسراع في تحقيق المصالحة قبل أن يحقق ما هو متوقع من عواقب هذا الانقسام الذي أدانه الشعب الفلسطيني منذ اليوم الأول لوقوعه.
حكومة فلسطينية واحدة، مستندة للانتماء الفلسطيني وحده، وليس للفصائلية والحزبية، ستكون مقبولة على أصدقاء الشعب الفلسطيني في هذا العالم، وستعيد قدرا من الاحترام والمصداقية التي فقدناها بسبب عجز المنقسمين عن المصالحة، وستتفادى الانطباعات السيئة التي يسعى المغرضون لترسيخها عن شعبنا وقضيتنا. فهل سيعي قادتنا خطورة الوضع، أم على قلوب أقفالها؟.