لم يمر على هذه المنطقة زمن يكتظ بالتناقضات ويزدحم بالمفارقات مثلما هو حال هذا الزمن الذي تعيشه، لا سيما بعد أن طعنت خاصرتها بسكين غادرة على أرض فلسطين المحتلة، لتصحو المنطقة على كيان مسخ يغتصب الأراضي العربية في فلسطين وما جاورها، ويعلنه مقيموه على أرض فلسطين أنه فوق القانون وفوق كل شرعية، فلا قيمة لقانون أو شرعية حين يتعلق الأمر بهذا الكيان الغاصب.

ومنذ عام النكبة وإلى الآن وما بعد الآن لن تتوقف التناقضات والمفارقات، ولم تعرف سياسة الكيل بمكيالين.. الهدوء ولو للحظة، فهي حركة مستمرة تبعًا لتحركات قادة هذا الكيان الصهيوني الغاصب، ولم يكف داعموه وحلفاؤه عن الهرولة حين يرغب قادة هذا الكيان المحتل إليهم من أجل تقديم واجب الدلال والتربيت على الأكتاف، بل إن هذا الدلال لم يقتصر على قادة الدول الحليفة والداعمة، وإنما امتد إلى المنظمات والمؤسسات الدولية التي رغم أنفها عليها أن تدلل هذا الكيان.

ولذلك لا دهشة ولا عجب أن يوجه كيان الاحتلال الصهيوني إهانة وصفعة في وجه السلطة الفلسطينية أولًا وثانيًا لدول حركة عدم الانحياز، ومنعهما من عقد اجتماع لجنة فلسطين في هذه الحركة برام الله المحتلة، وذلك بمنع دخول وزراء خارجية أندونيسيا وماليزيا وكوبا وبنجلاديش من دخول الأراضي الفلسطينية، ما اضطر السلطة إلى الإعلان رسميًّا عن إلغاء الاجتماع الذي كان مقررًا لأول مرة بالتاريخ أن يعقد داخل الأراضي المحتلة عام 1967. وكعادته لا يعدم الاحتلال الإسرائيلي حجة لتبرير أي سلوك عدواني أو استفزازي يقوم به، حيث برر هذا المنع بأن الوزراء الأربعة لا ترتبط دولهم بعلاقات دبلوماسية بالكيان الصهيوني المحتل.

 قد يكون هذا التبرير صحيحًا حيث يريد الاحتلال أن يبتز هذه الدول ويجبرها على التطبيع معه أو إقامة علاقات دبلوماسية رغم أنفها، إلا أن الأهم من ذلك أن لجنة فلسطين في حركة عدم الانحياز لديها مواقف ثابتة ومناصرة للقضية الفلسطينية، وضرورة تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني وتقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على أرضه، الأمر الذي يفهم منه أن الاحتلال الصهيوني يريد أن يرسل رسالة واضحة كعادته إلى الحركة أن لا قيمة للشرعية الدولية لديه، ويستوي في ذلك جميع المنظمات والمؤسسات الدولية، وأن ليس واردًا استعداده لتحقيق السلام، وإرجاع الحقوق التي اغتصبها إلى أصحابها الحقيقيين.

إن مثل هذه التصرفات والأساليب من قبل الاحتلال الصهيوني ليست بجديدة، إلا أن من المهم إزاءها هو ما الذي ستفعله حركة عدم الانحياز ومعها السلطة الفلسطينية في رد هذا الإهانة، وما الخطوات العملية التي من الممكن أن تسلط بها الحركة الضوء على ضياع الحق الفلسطيني، وإعادتها إلى واجهة الأحداث؟ خاصة وأن الحركة كانت تهدف من هذا الاجتماع الملغى التحضير لقمة دول عدم الانحياز المقررة في نهاية الشهر الجاري في العاصمة الإيرانية طهران، فهل ستؤكد على الانحياز أم الحياد؟.

كذلك ماذا يمكن أن تفعله مصر والأردن العضوان في حركة عدم الانحياز واللتان ترتبطان باتفاقيات مع هذا الكيان الغاصب المسخ؟ ألا تلوم السلطة الفلسطينية نفسها بعد هذه الإهانة وتحولها إلى شرطي وظيفته حماية هذا الكيان المحتل وقطعان مستوطنيه؟

ما يؤلم حقًّا أن كيان الاحتلال الصهيوني قد قال كلمته على الأرض والواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها والتي تؤكد تمسكه بخيار الاحتلال والاستيطان ومواصلة سرقة الحقوق والتنمر للشرعية الدولية، في حين أن أصحاب الحق ومناصريهم قد قالوا كلمتهم خارج الأراضي الفلسطينية؛ أي في أراض عربية أخرى، ليس من أجل مناصرة شعوبها، وإنما من أجل ترسيخ الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، وهذا منتهى التناقض والمفارقة في هذا الزمن.