صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس على مشروع قرار جديد ضد سوريا، يكرس استمرار الأزمة، ويؤكد عدم الرغبة في طرح برنامج توافقي سياسي يقضي بإنهاء الأزمة، وتخفيف معاناة الشعب السوري وحقن دمائه، وصون وحدة سوريا وتماسكها الاجتماعي، اذ إن القرار جاء ليسلط المزيد من الضوء على الأجندة التي كانت مخفية لدى الذين أرادوا من خلال القرار إبرازها بصورة واضحة ولا تقبل اللبس.
القرار أدان الحكومة السورية على استخدامها الأسلحة الثقيلة، في حين التقارير الغربية الأوروبية منها والأميركية تؤكد أن المعارضة السورية المسلحة باتت تمتلك ترسانة أسلحة ثقيلة مختلفة من دبابات وصواريخ أرض ـ جو، ومدافع مضادة للطائرات، فهذا يعني أن المعارضة المسلحة أصبحت كفتها توازي كفة الحكومة في السلاح والعتاد، وحسب صحيفة (فايننشال تايمز) التي نقلت عن أطراف ـ وصفتهم بالبارزين في المعارضة السورية المسلحة ـ تأكيداتهم على تلقي المعارضة السورية المسلحة شحنة من المدافع المضادة للطائرات، وعلى دفعة قوية من الولايات المتحدة، وأنها قد حصلت في الآونة الأخيرة على شحنة من المدافع المضادة للطائرات. وتترافق هذه التأكيدات مع استعدادات لجيوش دول مجاورة لسوريا لعملية دخول بري فيها، فقط تنتظر الإشارة من البيت الأبيض لتنفيذ العملية، حيث المطلوب منها أن تقوم بالوكالة عن القوات الأميركية والإسرائيلية وذلك من أجل المساهمة في نحر سوريا، وقد بدأت هذه الجيوش استعداداتها بعمليات استفزاز ممنهجة، مع ترويج دعايات كاذبة حتى ترفع عن نفسها الحرج وتبرر في الوقت نفسه انتهاكها لسيادة دولة جارة.
إن هذا القرار وما انطوى عليه من مزاعم وإدانة لطرف واحد وهو الحكومة السورية ومحاولة إقناع الرأي العام العالمي بأنها هي من تستخدم حصرًا الأسلحة الثقيلة دون المعارضة المسلحة، ومحاولة التحريض والتأليب بناء على ذلك، يسلط الضوء على حقيقة ما يتميز به مؤيدو المعارضة السورية المسلحة من قصور، ويكشف النوايا المبيتة ضد سوريا وشعبها، في إطار المشروع الأميركي الرامي لتفتيت المنطقة؛ لأن الأمر لو كان عكس ذلك، لما احتيج إلى مشروع قرار هزيل مثل هذا، لأن حل الأزمة السورية طرقه معروفة وأبوابه مشرعة أمام ناظري الجميع لا يحتاج إلى من يبحث عنه، ومن ثم لكان هذا القرار جاء متوازنًا ولكان دعا الطرفين المتواجهين إلى التخلي عن العنف واستخدام الأسلحة الثقيلة، ولتبنى القرار ـ لو كانت النوايا صادقة في الرغبة في حل الأزمة ـ برنامجًا سياسيًّا متكاملًا يقوم على الحوار الوطني من أجل تحقيق مضامينه.
لقد كانت المعارضة السورية المسلحة تدعي أن الحكومة السورية ترفض الحوار ولا تريده، بزعم أن الحكومة ترى في الحوار سبيلًا إلى سقوطها وخروج رموزها من السلطة، وبالتالي فهي تخاف من الحوار، ولكن إذا كان ما تدعيه المعارضة المسلحة صحيحًا، فلماذا تمانع هي من الجلوس مع الحكومة على طاولة المفاوضات وتصر على خيار العنف والقتل وسفك الدماء، والقيام بالإعدامات بالجملة من الشعب السوري تحت طائلة مزاعم أنهم موالون للحكومة السورية؟ ولماذا لا تجبر الحكومة على الدخول فيما تخاف منه؟ إذًا من الذي يخاف من الحوار: الحكومة أم المعارضة؟
لقد كان من الأولى من الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تضغط على المعارضة السورية المسلحة، بنفس القدر الذي تضغط فيه على الحكومة السورية ـ على الأقل ـ للقبول بالحل السياسي والحوار الوطني، وتزيح عن كاهلها عناء إصدار قرارات هجينة وهزيلة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، وأن تطالب داعمي المعارضة بالتوقف عن صرف ملياراتهم على وسائل تدمير سوريا وسفك دماء السوريين وتوجيه هذه المليارات لمساعدة الشعب السوري على إعادة بناء ما دمرته هذه الحرب، وحفظ أعراض الأسر السورية من الانتهاكات في مخيمات اللجوء، ويهيئوا لهذه الأسر العودة إلى وطنها سوريا، فمن يحب سوريا وشعبها يعمل من أجل ذلك، وليس تحريض السوريين على حمل السلاح وقتل أبناء وطنهم، وإلا فإنه شريك في إعداد جريمة إعدام سوريا وشعبها.