إعلان بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة عن استقالة كوفي أنان من منصبه مبعوثًا للمنظمة الدولية وجامعة الدول العربية إلى سوريا، خطوة لم تُثر الدهشة، لكون أن الإعلان أمر متوقع في ظل عدم رغبة القوى النافذة في المجتمع الدولي والتي تتقاسم ولاءات المعارضة السورية المسلحة التي من جانبها لم تلتزم بخطة أنان ذات النقاط الست والتي جاءت من أجل مطالبها، بل فصلت على مقاس طلباتها تفصيلًا دقيقًا، والتي بدل أن تختار طريق تحقيق الخطة فضلت أن تسلك الطريق المعاكس للخطة، وكما يبدو نزولًا عند رغبات القوى والأطراف التي تتحكم فيها وتتفضل عليها وتضع المال في يد وفي اليد الأخرى السلاح لتنحر أبناء شعبها، وبدل أن تجعل من خطة أنان صمام أمان لسوريا الوطن من التمزق والانهيار وإراقة الدماء، فضلت الحلول المدمرة مقتدية أو مدفوعة بما رأته في دول عربية من أن العنف والقتل والدمار وسفك الدماء هي التي تلبي المطالب، فها هي اليوم قد أدخلها من أطلقوا على أنفسهم لقبًا لا يستحقونه "أصدقاء سوريا أو الشعب السوري" في غياهب وأنفاق مظلمة كلها تنبئ بأنه لن يكون هناك ضوء في النهاية.
إن إبلاغ أنان الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية "نيته عدم تجديد مهمته حين تنتهي مدتها في الـ31 من أغسطس 2012"، تظهر الدور السلبي للولايات المتحدة وحلفائها وبقية الأطراف المتدخلة في الشأن الداخلي السوري والداعمة لعنف المعارضة السورية المسلحة، في رفض واضح ومطلق لتلك الأصوات العقلانية والمنطقية التي تنادي بها الدول التي ترى أن حل الأزمة السورية سياسي وبحوار وطني، فأزمة في غاية التعقيد كالأزمة السورية لن يحلها التحريض والتأليب والتسليح والوقوف سدًّا منيعًا أمام الحلول السياسية. والمؤكد أن أنان لن يقدم على هذه الخطوة إلا بعد أن وصل إلى قناعة بأن كل الممكنات قد تحولت إلى مستحيلات، لا سيما وأن طلبه بإنهاء مهمته جاء بعد عدة مؤشرات على الأرض تؤكد أن الولايات المتحدة ومن يقبع تحت عباءتها قد نحرت خطته من أول نقطة إلى آخر نقطة فيها من خلال خطوات تصعيدية اتخذتها ومعها المعارضة:
أول هذه المؤشرات: توقيع الرئيس الأميركي باراك أوباما وثيقة سرية تسمح بتقديم المساعدة للمسلحين المعارضين السوريين، في إطار ما يعرف بـ"التقرير الرئاسي" وهي مذكرة تجيز لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) القيام بتحركات سرية، تسمح بتقديم المزيد من الدعم في مجال الاستخبارات على الأرض للمعارضة السورية المسلحة وإمدادها بالسلاح، في وقت أكدت فيه وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة خصصت 25 مليون دولار في شكل ما أسمتها "مساعدات غير مميتة للمعارضة السورية".
الثاني: تأكيد الأمم المتحدة على لسان مارتن نيسيركي المتحدث باسم بان كي مون أن المعارضة السورية المسلحة باتت تمتلك وخاصة في حلب دبابات وأسلحة ثقيلة أخرى، وقبل ذلك أشارت تقارير أميركية عن حصول المعارضة المسلحة على صواريخ أرض ـ جو. وأبدت المنظمة الدولية قلقها من تصاعد وتيرة العنف.
الثالث: قيام المعارضة السورية بإعدامات بالجملة لأسرى سوريين بزعم أنهم موالون للحكومة السورية، وهذا مؤشر خطير، أن تتحول سوريا لساحة إعدامات.
من المؤلم جدًّا أن يتم تحويل سوريا ذلك البلد الجميل إلى أطلال، ومن أجل ماذا؟ من أجل كيان صهيوني غاصب سرق أراضي العرب ومزقهم وضرب استقرارهم.