ان استعراضا سريعا للمشهد العربي الحالي، يبين ان غياب الموقف الفاعل، والقادر هو السبب الرئيس لوصول الأمة الى حالة العجز الكامل الذي تعاني منه، والذي أغرى اعداءها، وخاصة العدو الصهيوني على استباحة مقدساتها، والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني الوطنية والتاريخية، وبالذات حقه في اقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشريف.

ان غياب هذا الموقف يعود للخلافات العربية التي تعصف بالاقطار الشقيقة، وهي خلافات قديمة، متجددة تطفو على السطح بين الحين والآخر، وتمتد جذورها الى أحقاد داحس والغبراء، ودسائس البسوس، ولا سبيل للتخلص من هذا الخلافات الا بالكشف عن أسبابها الحقيقية، والتخلص من هذه الاسباب إن وجدت.. كسبيل وحيد لتنظيف البيت العربي من الاحقاد والادران، وترسيخ التضامن ووحدة الصف على أسس سليمة تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتمسك بثوابت الأمة، ودعم قضاياها العادلة، وخاصة القضية الفلسطينية، ودعم مشاريع التنمية في الدول الفقيرة، وقبل ذلك وبعده الاستجابة لخيارات الشعوب العربية في الحرية والكرامة والديمقراطية، وتداول السلطة، وصولاً الى بناء الدولة المدنية الحديثة.

لقد أثبتت التجارب، ومنذ استقلال الدول العربية، وحتى اليوم، ان لا سبيل أمام هذه الدول للنهوض في كافة النواحي، ولا سبيل لحماية استقلالها الوطني، والدفاع عن اراضيها والتصدي للغزوة الصهيونية التي تشكل خطراً على الأمة كلها إلا بتحقيق التضامن الفعلي بين هذه الدول، وبأرقى صوره، فوحدة هذه الاقطار هي القادرة على تحقيق النهوض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وعلى التصدي للاعداء الطامعين في خيراتها، وثرواتها بدءاً بالعدو الصهيوني وليس انتهاء بالدول ذات الماضي الاستعماري، والتي لم تتخل عن هذا الماضي، وبقيت مصرة على العودة من الشباك، بعد ان خرجت من الباب وعلى التواجد في المنطقة لحماية مصالحها وعلى رأس هذه المصالح ضمان استمرار تدفق النفط.

من المؤلم الى حد الفاجعة ان يسفك دم الابرياء في سوريا، وقبلها في ليبيا، ويستبيح العدو الصهيوني الاقصى، ولا نجد لكل ذلك صدى حقيقياً قادراً على استنهاض الدول الشقيقة، من الواقع المر الذي يأسرها ويكبلها ولا تستطيع منه فكاكاً، وقد أصبحت أسيرة لهذا العجز، ولهذه الخلافات.

مجمل القول : لا مناص أمام هذه الامة، وامام شعوبها ودولها اذا أرادت ان تخرج من مربع العجز والهوان إلا بكنس الخلافات، وارساء التضامن الحقيقي، واجتراح موقف عربي فاعل وقادر على مواجهة التحديات والمستجدات، وقبل ذلك وبعده، الاستجابة لخيارات الشعوب التي بشر بها الربيع العربي في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة، لبناء الدول المدنية الحديثة، فهذا هو السبيل الوحيد للخروج من مربع العجز، الى مربع صناعة التاريخ.