تمر على الإنسان العديد من الذكريات والمناسبات التي تختلف بالتأكيد عن بعضها بعضًا في مستوى تأثيرها وتغييرها وحدثها، ومنها ما يبقى في الذاكرة حيًّا ومتوقدًا، بقدر ما يحدثه من تغيير كبير يمس بصورة مباشرة حياة الإنسان، ولعل المناسبات الوطنية هي واحدة من المناسبات التي تخلد في الذاكرة الجمعية للبشر لا سيما إذا كانت تمثل علامة فارقة في التاريخ الإنساني لبلد ما.

ويأتي الاحتفال اليوم بالذكرى الثانية والأربعين ليوم النهضة المباركة التي بزغ نور فجرها في الثالث والعشرين من يوليو من عام 1970م، والتي قادها بكل حكمة واقتدار حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ توكيدًا على حضور هذه المناسبة المجيدة في الذاكرة الجمعية العمانية، لكونها كانت الحدث الكبير الذي شكل منعطفًا تاريخيًّا في حياة عُمان والعمانيين، ونحتت مكانتها في نفوسنا باعتبارها يوم فخر وعز لنا، فهي مناسبة ظلت وستظل مبعث فخر ومصدر اعتزاز، وذلك إيمانًا بأنها حدث حرك القوى الراكدة وأطلق لها العنان لتقود قاطرة التقدم والرقي والتحضر والتطور، وإنصافًا للنهضة المباركة كحدث تاريخي عماني بامتياز غيَّر مجرى الأحداث في عُمان ليجعل من هذه البلاد دولة عصرية تقف شامخة على الخريطة الجغرافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية، شاهدة على ما تتمتع به من إرث حضاري ضارب في أعماق التاريخ، ودالة على حجم المنجز الظاهر إلى حيز الوجود، والفضل في ذلك يعود ـ بعد توفيق الله سبحانه وتعالى ـ إلى التكاتف والتلاحم بين فكر قائد مسيرة النهضة المباركة ـ أعزه الله ـ وبين الطاقات الشبابية والسواعد الفتية التي تجاوبت بكل احترام وتقدير، وبكل أمانة وإخلاص، وانتماء وطني منقطع النظير، لتترجم فكر جلالته ـ أيده الله ـ إلى واقع ملموس.

إن احتفال السلطنة بالذكرى الثانية والأربعين ليوم النهضة المباركة والذي يصادف غدًا الثالث والعشرين من يوليو، يحمل الكثير من معاني الولاء والعرفان لقائد هذه المسيرة المباركة، ومعاني الانتماء للوطن والذود عن حياضه ومكتسباته ومنجزاته، وتجديد هذه المعاني السامية في القلوب والأنفس، واتخاذها وقودًا يدفع عجلة التنمية والبناء قدمًا وفق الإرادة والخطوط التي رسمها قائد هذه المسيرة الظافرة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي تحقق على يديه وبرعايته الكريمة وتوجيهاته السديدة ما يصبو إليه الوطن والمواطن من رفعة ومكانة وتنمية شاملة وازدهار وأمن وطمأنينة.

ليست هناك حاجة إلى سرد المنجزات وإحصاء المكتسبات، فهذا أمر من الثابت في اليقين والنفس والعقل والقلب، وإنما ثمة حاجة إلى إمعان النظر في الصورة المتكاملة من جميع زواياها وجوانبها، لتعطي الحقيقة الكاملة عن قيمة المتحقق، ليمثل حالة استثنائية عن مدى القدرة على لمِّ الشمل وحشد الطاقات وتحريك القوى الكامنة، لتصنع أمة موحدة خلف قائد حكيم مخلص محب، استطاع أن ينضج الأفكار ويبلورها في قوالبها الصحيحة والسليمة، وبفضل التكاتف والتلاحم والهبة الشعبية الوطنية لكلمات النداء، تمكنت المسيرة الظافرة من السير في سكتها واستكمال أركانها وتجاوز العقبات وقهر التحديات، وإنارة طريق المستقبل الزاهر وتعبيده للأجيال القادمة.

إن القراءة المتأنية والوقوف على المفاصل التي مرت بها مسيرة النهضة المباركة، ومقارنتها بما قبل الثالث والعشرين من يوليو عام 1970م، تبقى مهمة وطنية يتوجب على هذا الجيل الأخذ بناصيتها، وتقديرها حق التقدير الذي تستحقه، فإنكار المكتسبات والمنجزات الوطنية الكبرى، أو محاولة التنكر لذلك، ظلم بيِّن وتمرد على النعم التي يبحث اليوم آخرون من هذا العالم الفسيح عن بعضها. وكل عام وأبناء عُمان وقائد مسيرة نهضتها بألف ألف خير وسلام وسؤدد.