ما يمكن استخلاصه من مجريات الحياة السياسية الاسرائيلية خلال الأيام القليلة الماضية، وتحديدا على هامش ما يسمى بأزمة تجنيد اليهود المتزمتين والأقليات، وموقف مختلف الأحزاب الاسرائيلية من هذه الأزمة هو أن السلام والمفاوضات مع الفلسطينيين غائبة كليا عن الأجندة السياسية للحكومة الاسرائيلية والتيار السياسي العام في اسرائيل، وهي ليست من العوامل المؤثرة في الحراك السياسي الاسرائيلي على الإطلاق.
فشاؤل موفاز زعيم حزب "كاديما" مثلا، الذي انضم إلى ائتلاف بنيامين نتنياهو الحكومي قبل أسابيع قليلة صوت حزبه أمس على قرار بالانسحاب من هذا الائتلاف، ليس بسبب سياسات نتنياهو الاستيطانية وتجميده للمفاوضات مع الفلسطينيين، وإنما لأن موفاز يعارض أي تساهل في فرض التجنيد على اليهود المتدينين، بينما رئيس الوزراء الاسرائيلي يهمه بالدرجة الأولى المحافظة على بقائه في السلطة، حتى لو استرضى المتدينين انطلاقا من مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة".
صحيح أن هذه قضية داخلية تخص اسرائيل، لكن الإدعاء بأن الشؤون الداخلية الاسرائيلية لا تنعكس بشكل أو بآخر على الواقع الفلسطيني هو ابتعاد عن الحقيقة. وفي المقابل، وبالتوازي مع هذه المسألة، فإن الاهتمام الاسرائيلي بما يحدث على الساحة الفلسطينية، واستطرادا الساحتين العربية والإسلامية، هو من الشواغل اليومية للإدارة الاسرائيلية، وبالتالي فإن تحليل التطورات السياسية في اسرائيل، وانعكاساتها على الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، هو مجرد تحصيل حاصل.
ومثال موفاز يُطرح هنا، ليس عبثا أو لغاية عشوائية، وإنما عن قصد بسبب تصريحاته وطروحات حزبه في عهد رئيس وزراء اسرائيل السابق ايهود اولمرت الذي كان زعيما للحزب قبل أن تتولى تسيبي ليفني هذه الزعامة، ثم تنزل عنها لصالح موفاز من خلال انتخابات حزبية لسنا بصدد الخوض فيها.
اولمرت وليفني ومن بعدهما موفاز، كانت لديهم مواقف وتصريحات حول ما وصفوه بالحل التفاوضي و"التنازل عن أراض" لإقامة الدولة الفلسطينية عليها. وكان لليفني تصور مماثل أو مطابق لخطة الانكفاء التي ابتدعها اولمرت، ثم رسم موفاز خطوطا عامة لحل سلمي من بنات أفكاره. لكن ما إن انضم لائتلاف نتنياهو حتى صمت فمه وتوقفت تصريحاته المتعلقة بما يسمى بالتسوية السلمية مفضلا عليها إنقاذ حزبه من الاندثار والتلاشي من خلال الانضمم لائتلاف نتنياهو قبل الانتخابات الاسرائيلية المقبلة.
هؤلاء هم قادة اسرائيل، وهذه هي مواقفهم من المفاوضات ومن "الحل السلمي". وما يفرضه هذا الواقع الاسرائيلي المعقد هو وضع حد للانقسام الفلسطيني والاتلقاء على أرضية فلسطينية مشتركة تجمع حركتي "فتح" و "حماس"، انطلاقا من الانتماء الواحد، أو الذي يجب أن يكون واحدا، لفلسطين والشعب الفلسطيني. فالتحديات هائلة، والوقت الذي يتم تضييعه من جانب الحركتين هو على حساب القضية والمصلحة الفلسطينية العليا، التي يتم تجاهلها أو نسيانها كليا من أجل مكاسب ومناصب صورية، بينما الاستيطان يستفحل والمخططات الاسرائيلية لتفريغ الأرض تمضي على قدم وساق.