إذا كانت هناك عوامل سياسية اقتصادية واجتماعية وأمنية وغيرها دفعت إلى بناء العلاقات بين الدول المتجاورة وغير المتجاورة، وإذا كانت الدبلوماسية هي الوسيلة القائمة في العرف السياسي من أجل التواصل بين الدول وشعوبها، فإن هذه العلاقات تقتضي أن تكون الدبلوماسية سلوكًا اجتماعيًّا تتطلبه الحاجة إلى التفاهم والتعاون والمنافع والمصالح المشتركة والمتبادلة وكذلك المعرفة بهدف تقاسم الهدف الأسمى وهو إقامة أركان السلام والاستقرار والأمان والطمأنينة والرقي والتقدم للشعوب والأمم.

غير أن التدخل في الشؤون الداخلية للغير يفسد ذلك الهدف السامي، ويهدم كل تلك الأركان التي يجب أن تتسامق في أرجاء المعمورة باعتبارها الحصن المتين الذي يحمي الشعوب من بعضها البعض، والدول من بعضها البعض، ويحفظ لها أمنها واستقرارها، ويفتح أبواب الحرية للأفكار والعقول لأن تبتكر وتنتج، متيحًا لها الزمن الطويل والفرص الكافية، ما يسمح لها بأن تتلاقى وتتبادل المنتجات والمعارف والعلوم، فيفيد بعضها الآخر، وحين تنغمس الشعوب في هذا الغمار وتُشغل العقول والأفكار بكل مفيد تذوب الفوارق والخلافات وتغيب النزاعات والصراعات، ويحل محلها السلام والاستقرار والتنمية؛ لأن الكل منشغل ليهب الحياة والبشرية شيئًا نافعًا.

وبالتالي فإن انتهاج سياسة التدخل في شؤون الغير، ومحاولة إثارة النعرات بشتى أنواعها بين الشعوب بعضها بعضًا أو بين الشعوب وحكوماتها وتغذية ذلك بالدسائس والمؤامرات، والعمل على تشجيع طرف ضد آخر، وعدم توظيف العلاقات فيما يقرب الأطراف المتنازعة أو الطرفين المتواجهين، وعدم العمل على ردم الهوة، وتقريب وجهات النظر بينهما بما يحفظ استقرارهما وأمنهما ويصون وحدة أراضيهما، كل ذلك مهلك للحرث والنسل، وممزق ومشتت ومفرق، ومعطل للحكم الإلهية من خلق البشر، وحكمة الوقوف على الغايات من تسخير ما في هذا الكون من أسباب ونواميس.

لقد تلاحظ انتشار التدخل في شؤون الآخرين والشؤون الداخلية للدول في العصر الحديث لا سيما في هذه المرحلة، ليصبح ظاهرة تعبر عن مدى ما وصلت إليه بعض سياسات الدول التي انتهجت التدخل في الشؤون الداخلية للغير من انحطاط أخلاقي وانحدار في المستوى الحضاري والثقافي والاجتماعي.

ويرجع علماء النفس نهج دول التدخل في الشؤون الداخلية للغير إلى الكثير من العوامل النفسية كالرغبة في التفوق والسيطرة والاستعلاء والتكبر، والشعور بالنقص والفشل في تعويض هذا النقص، وفرض الرغبات على الآخرين وغيرها من العوامل التي تدل على مرض المتدخل في شؤون الآخرين.

وبالنسبة للوضع العربي فإنه لا توجد قضية تسمح بالتدخل فيها من قبل أي طرف عربي سوى القضية الفلسطينية التي تفرض على الدول العربية وشعوبها التدخل فيها، باعتبارها القضية المركزية للعرب، ولذلك واجب على الدول العربية وشعوبها على الصعيد الجماعي والفردي الدفاع عن هذه القضية، ونصرة الأشقاء الفلسطينيين بكل أنواع ووسائل النصرة المادية والمعنوية، على أن هذه النصرة والمؤازرة لا ينبغي أن تتجاوز حدود النصرة والمؤازرة إلى الحلول محل أصحاب القضية، وما عدا هذه القضية فإن أي تناول لقضايا تخص شعبًا عربيًّا أو شأنًا داخليًّا لدولة عربية هو تدخل في شؤون الغير.

واذا كان كل منا لا يقبل تدخل الغير في شؤونه الداخلية، فالأولى به أن لا يتدخل في الشؤون الداخلية لغيرها. وهذا هو المبدأ الذي حكم سياسة بلادنا الخارجية والذي أهلها لأن تحتل مكانة سياسية محترمة من المجتمع الدولي، وهو ما يجب أن يمثل نبراسا لنا في تعاملنا مع الغير شقيقا أو صديقا، جارا أو بعيدا.