أحيا مسلمو البوسنة أمس الذكرى السابعة عشرة على أفظع مجزرة ترتكب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث شارك حوالي 30 ألف شخص في سريبرينيتشا (شرق البوسنة) في مراسم دفن رفات 520 شخصًا من ضحايا المجزرة التي ارتكبتها ضد المسلمين قوات صرب البوسنة في 1995، والتي راح ضحيتها حوالي ثمانية آلاف رجل وشاب في غضون بضعة أيام.

تمر هذه الذكرى ولا يزال القائدان العسكري والسياسي السابقان للقوات الصربية راتكو ملاديتش ورادوفان كارادجيتش بعد سنوات من الفرار يحاكمان أمام محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة عن مسؤوليتهما عن الجرائم في البوسنة.

إن هذه الذكرى التي لا يزال البحث جاريًا عن رفات أكثر من ألفي مسلم، لا تُظهر وحدها مدى رخص الدم المسلم الذي عُمِّدت جهات الأرض الأربع به، إذ لا يمر عقد وإلا تشهد سنونه العديد من المذابح تسفك فيها دماء المسلمين، ففي عقد التسعينيات وحده شهد أكثر من مجزرة، حيث شنت الولايات المتحدة هجمات صاروخية على بغداد على خلفية غزو العراق للكويت، فلدى بزوغ أول خيوط فجر يوم الثلاثاء بتاريخ الـ13 من فبراير عام 1991م استهدفت صواريخ سلاح الجو الأميركي وقنابله ملجأ العامرية بالعاصمة العراقية ليسقط على أثر ذلك القصف أربعمئة وثمانية من النساء والأطفال والطاعنين في السن الذين فروا من القصف العدواني للجسور والبيوت الآمنة والطرق والسيارات العابرة ليأووا إلى ذلك الملجأ الحصين، عله يجنبهم من هجمات أقوى جيش في العالم، بينما شهد العام 1996م مجزرة قانا، ففي الـ18 من أبريل قام الطيران الحربي الإسرائيلي وبأمر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز بقصف بلدة قانا في جنوب لبنان، ما أدى إلى سقوط 102 من الأطفال والنساء اللبنانيين في لحظة واحدة، وقد احتمى أولئك المدنيون الأبرياء من العدوان الإسرائيلي على لبنان بمقر تابع لقوات حفظ السلام الدولية "اليونفيل".

 كما حفلت الألفية الثانية بالعديد من المذابح والمجازر التي ارتكبها القتلة والجزارون بحق الدم العربي والمسلم، بداية بالشعب العراقي وفرض حرب ظالمة عليه راح ضحيتها مئات الآلاف، ثم الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يتعرض لمجازر مستمرة في استرخاص لدمه من قبل الاحتلال الإسرائيلي وداعميه الذين يتشدقون بالحرية وحماية حقوق الإنسان والديمقراطية، كمجزرة جنين، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في نهاية العام 2008 وبداية العام 2009 والذي وحده حصد ألفًا وأربعمئة شهيد أغلبهم من الأطفال، وفي صيف عام 2006 قام الكيان الإسرائيلي الغاصب بعدوان على لبنان متسببًا في إزهاق أرواح مئات الأطفال والنساء وكبار السن والشباب، حيث مناظر الأشلاء والدماء على الطرق وأرصفتها وأسفل المباني المهدمة على رؤوس ساكنيها، ومرتكبًا مجزرة جديدة في قانا بحق عزل احتموا بالمقر التابع لقوات حفظ السلام.

 طبعًا هذه المجازر على سبيل المثال لا الحصر، وإلا لا تزال الذاكرة حية بما اقترفه القتلة في الماضي وما اقترفه حلف شمال الأطلسي في ليبيا، واقترفه ويقترفه في أفغانستان، والحبل على الجرار، حيث عمليات التحريض والتأليب لسفك المزيد من دماء العرب والمسلمين تتلاحق وتتابع بصورة دائمة.

وإذا كانت تلك المجازر قد رتب لها القتلة والجزارون ضد الدماء العربية والمسلمة وقاموا بها تحت ذرائع كاذبة مثل الدفاع عن النفس وحماية المدنيين والدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية ومكافحة الإرهاب، فإن ما يندى له الجبين اليوم هو أن يظهر من بين ظهرانينا من يقدم لهم الدعم ويختلق الذرائع والحجج وينادي كذبًا وزورًا بتلك الشعارات ويستجدي آلة القتل الغربية الوحشية لتريق الدماء، وما يزيد الألم ألمًا أن يبحث الأعوان عن صيغ تشرع عمليات السفك والقتل، والمطالبة بالفصل السابع دون أن يعلموا ماهية هذا الفصل وتوابعه ونتائجه الكارثية، وما يبعث على الأسف والغثيان أن يتم ذلك باسم الوطنية التي هي منهم براء، فمفهوم الوطنية والعمل من أجلها واسع، ليس بذلك الضيق لكي يؤدي إلى الفساد في الأرض والعلو فيها، وإبادة الحياة فيها من أجل لذة ومصلحة زائلتين تتمثلان في جلسة على كرسي الحكم مقابل سفك دماء بريئة.

والمفارقة العجيبة هي أن يتفق القتلة والأعوان على محاسبة غيرهم، ممن يختلف معهم ويرغبون في إزاحته من على الكرسي والجلوس عليه بدلًا منه، ويبقى هؤلاء القتلة والجزارون مطلقي السراح يسرحون ويمرحون. لماذا لا يزج بجورج بوش "الصغير" وقادة الكيان الإسرائيلي المحتل الذين تعاقبوا على ارتكاب جرائم الحرب، ومن دمروا ليبيا مع راتكو ملاديتش ورادوفان كارادجيتش، للانتقام لضحاياهم وحتى يتعظ من يريدون الاقتداء بهم لتدمير سوريا؟