بالرغم من كل الظروف المحيطة بالتطورات الجارية في سوريا الشقيقة، وهي تطورات تزداد في الواقع دموية وخطورة، على حاضر ومستقبل الشعب وربما الدولة السورية أيضا، خاصة إذا استمرت حلقات التصعيد المتبادل بين السلطة والمعارضة، وتخندق كل منهما في مواقف محددة والتمسك بها، والإصرار عليها، بغض النظر عما يعانيه الشعب السوري الشقيق، في المدن والبلدات من صعوبات ومخاطر لا يشكل القتل المتزايد للأرواح أسوأها، فإن الجهود التي يبذلها مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي عنان من أجل محاولة التوصل إلى نوع ما من التوافق بين مختلف الأطراف، وعلى نحو يسمح بوقف أعمال العنف، تبعث قدرًا من الأمل في إمكان تجاوز الصعوبات الحالية، وربما بدء السير نحو ترتيب حوار وطني سوري بات من غير الممكن الاستغناء عنه أو استبعاده، لأن البديل هو مزيد من الدماء وإزهاق الأرواح وتعريض سلامة سوريا ذاتها، ربما لأخطار حقيقية.

ومع الوضع في الاعتبار التصريحات التي أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد، فإن ما أعلنه من استعداد للحوار، وما كشف عنه كوفي عنان من استعداد من جانب الرئيس السوري للسير على خطى حل الأزمة، وفي إطار النقاط الست لخطة كوفي عنان السابق الإعلان عنها، يمكن أن يسهم في التهيئة للسير خطوة أو خطوات على طريق الحل.

وفي هذا الإطار فإن مما له أهمية كبيرة في الواقع أن مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية قام بزيارة العاصمة الإيرانية طهران حيث التقى بوزير الخارجية الإيراني وبحث معه الأوضاع في سوريا، وما يمكن أن تسهم به الجمهورية الإسلامية في السير على خطى التقريب بين المواقف.. ولعل ما يزيد من أهمية تحرك عنان أنه جاء من منطلق قناعة ذاتية منه بأهمية إشراك إيران، ولأن تكون طهران جزءًا من الحل وليست جزءًا من المشكلة، على الأقل كما حاولت بعض الأطراف التركيز على ذلك في الفترة الماضية، وهو ما أدى بالفعل إلى استبعاد إيران من المشاركة في أكثر من مؤتمر لبحث الأزمة السورية. ونظرًا لطبيعة وأهمية العلاقات السورية ـ الإيرانية، وما يمكن لطهران القيام به على طريق تسهيل مهمة عنان، فلعل محادثاته تثمر في هذا الاتجاه.

من جانب آخر فإن موسكو تسعى من جانبها إلى التواصل مع بعض فصائل المعارضة السورية، حيث استقبلت وفدًا برئاسة ميشيل كيلو في هذا الأسبوع، ولعل ذلك، بالإضافة لما تعرضت له موسكو وبكين من ضغوط خلال مؤتمر أصدقاء سوريا في باريس قبل أيام، يسهم في توسيع مساحة التوافق التي كانت قد بدأت في الظهور خلال اجتماعات مجموعة العمل التي عقدت في جنيف الأسبوع الماضي، خاصة وأن هناك تفهمًا إقليميًا ودوليًا لأهمية الحفاظ على مصالح موسكو في سوريا.

على أية حال فإن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق القوى السورية في السلطة والمعارضة من أجل العمل على تهيئة سبل نجاح مهمة كوفي عنان، لأن البديل سيكون للأسف المزيد من العنف والقتل والتدمير لسوريا وهو ما يزيد الألم ليس فقط بالنسبة للسوريين، ولكن أيضًا بالنسبة لكل من يحبون سوريا ويدركون أهمية دورها في المنطقة.