تشهد الأزمة السورية حراكًا نشطًا يقوده كل من كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، وروسيا، حيث تكثفت الجهود الدبلوماسية التي يقودانها بصورة متوازية، على أمل أن تفتح مغاليق الحلول المستعصية مجددًا، وتتجدد الآمال والطموحات في رؤية حلول منطقية وعقلانية في نهاية النفق المظلم حيث تعمل قوى على إطالة هذا النفق لأغراض وأجندة تسعى إلى تحقيقها.
لقد أحيت نتائج اللقاء الذي جمع كلًّا من الرئيس السوري بشار الأسد وكوفي أنان في دمشق أمس الآمال، حيث أكد المبعوث الأممي إجراءه محادثات بناءة وصريحة جدًّا مع الرئيس الأسد، ومناقشة الحاجة إلى وقف العنف والطرق والوسائل المؤدية إلى ذلك، والاتفاق على طرح سيتشارك به مع المعارضة المسلحة.
ولم تقف جهود أنان عند هذا الحد، وإنما غادر فور انتهاء لقائه بالرئيس السوري إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإطلاع المسؤولين الإيرانيين على نتائج اللقاء وحيثيات الطرح الذي تقدم به إلى القيادة السورية ووافقت عليه، من أجل أن يجد دعمًا إيرانيًّا لضمان نجاحه.
بينما روسيا من جانبها قد لعبت دورًا باستضافتها ميشال كيلو أحد قيادات المعارضة الذي عقد لقاء مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف تمحور حول الأزمة وما يمكن أن تقدمه موسكو من إسناد لإنهاء الأزمة بحكم علاقتها الوثيقة مع دمشق.
وينتظر وصول الرئيس الجديد لما يسمى المجلس الوطني السوري المعارض الكردي عبدالباسط سيدا غدًا الأربعاء إلى العاصمة الروسية لإجراء محادثات أيضًا. وتأكيدًا من روسيا على حرصها على إنهاء الأزمة السورية سلميًّا وسياسيًّا بعيدًا عن التدخلات الخارجية، ولإثبات حسن نيتها أوقفت موسكو بصورة مفاجئة صفقة بيع 36 طائرة تدريب عسكرية طراز جاك ـ 130 إلى سوريا.
القيادة السورية أبدت هي الأخرى حرصها على الخيارات السياسية والسلمية، وأهمية إيجاد أرضية مناسبة لحوار سوري خالص، كما أكدت حرصها على نجاح خطة أنان الذي يتوقف إلى حد كبير على وقف تسليح وتمويل الأعمال الإرهابية، ووجود التزام دولي وإرادة صادقة لوقف العنف في سوريا.
إن جهود المبعوث الدولي وروسيا وقبول دمشق بالحلول السياسية المطروحة عليها، تعبر عن إرادة صادقة ورغبة أكيدة في إنهاء الأزمة وحقن الدماء بالطرق المثلى، وضرورة وجود مقاربات على الأرض تقرب الأطراف المتصارعة من بعضها بعضًا، وتقرب وجهات النظر، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية أو الوضع في الحسبان العلاقات القائمة مع قوى ومسؤولين لا يمتون للشأن السوري بصلة.
واللافت أن دمشق مرة أخرى تثبت أنها أول من يقبل بالحلول السياسية التي ترفض العنف في الوقت الذي لا تزال قيادات في المعارضة السورية ترفض زيارة كوفي أنان إلى دمشق ولقاءه بالقيادة السورية وتريد منه رغمًا عنه ولأجل استجداء التدخل الخارجي أن يعلن فشل خطته التي أكدت القيادة السورية أنها هي الحل الآمن والضامن لوحدة سوريا واستقرارها ولذلك تتمسك بها، وعليه فإن الكرة الآن ـ
وكما كانت بالأمس وقبله ـ في ملعب المعارضة السورية المسلحة لكي تثبت صدق نياتها وحسن توجهاتها لتعبر تعبيرًا عمليًّا عن ما تقوله من أنها حريصة على حقن دماء السوريين الذين ترى أنها تمثلهم وتتحدث نيابة عنهم، وبالتالي عليها أن تتوقف عن العمليات المسلحة والتخلي عن الخيارات المدمرة، وإفهام داعميها أن هذا الخيار يعني دمار سوريا، وأنها نخربها بأيديها التي إذا ما دخلت إليها لن تجد فيها شيئًا، ولن ينفعها ساعتئذ عض أصابع الندم، كما يعض غيرها الآن من العرب أصابع الندم على التفريط في أوطانهم وبيعها بثمن بخس ومقابل منافع زائلة.