اللقاء الذي جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، لم يخرج عن التوقعات المسبقة بأنه لن يسفر عن نتائج ملموسة تحرك المياه الراكدة على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتذليل العقبات التي تقف أمام استئناف المفاوضات المتوقفة منذ العام 2010م، فاللقاء لم يخرج كبقية اللقاءات التي جمعت الجانبين من قبل، سواء على مستوى الرئاسة أو على مستوى الوزراء، بأي شيء يذكر، فقد كان كغيره عبارة عن لقاء علاقات عامة وللاستهلاك الإعلامي.
السلطة الفلسطينية كعادتها، تعلق آمالا كبيرة على مثل هذه اللقاءات مع الإدارة الأميركية، باعتبارها ـ أي السلطة ـ تعتبر أن نسبة كبيرة من أوراق الحل بيد واشنطن، والنظام العربي الرسمي يعضدها في هذا، خاصة وأنها بصدد التوجه للأمم المتحدة حاملة إلى المنظمة الدولية أبرز ملفات القضية وهي ملف الأسرى الفلسطينيين الذين تعج بهم سجون الاحتلال الإسرائيلي وما يتعرضون له من انتهاكات ضد الإنسانية وحرمانهم من أبسط حقوقهم، يضاف إلى هذا الملف ملفان آخران وهما الوضع الاقتصادي الذي تمر به السلطة الفلسطينية وعجزها عن صرف رواتب الموظفين الفلسطينيين، حيث تزمع نقل هذين الملفين إلى لجنة المتابعة العربية ومن ثم إلى الأمم المتحدة لتتحمل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه شعب يتعرض لإبادة حقيقية، وتصفية نهائية لقضيته، وكذلك ملف الاستيطان الذي يهدد بابتلاع الاحتلال لما تبقى من أرض فلسطينية والحاقها بهذا الكيان الغاصب.
والمعروف أن عمليات الاستيطان هذه تتم بتمويل أميركي كجزء من الدعم الذي تقدمه واشنطن لهذا الكيان. لكن الإدارة الأميركية تريد من خلال هذا اللقاء إرسال رسالة تضليلية مفادها أنها مهتمة بالشأن الفلسطيني كاهتمامها بما يسمى(الربيع العربي)، من ناحية، وفي الوقت نفسه تريد أن تقول للإسرائيليين:
اطمئنوا لن يكون هناك أي اختراق لموقفنا الداعم لكم، على الرغم مما قيل إن كلينتون وعدت عباس بالضغط على إسرائيل، فواشنطن تستعد لخوض معركة الانتخابات الرئاسية، وكالعادة يسعى الحزب الديمقراطي من خلال الرئيس باراك أوباما إلى استجداء دعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لإعادة انتخابه لولاية ثانية، خاصة وأن الحزب يعلم أنه يخوض معركة شرسة مع خصمه الحزب الجمهوري، ولذلك فان القول إن واشنطن سوف تضغط على إسرائيل لتحريك العملية السلمية، لا يسنده واقع الحال.
بل إن المحتمل والمتوقع أن تتحرك هيلاري كلينتون فلسطينيًّا وعربيًّا لقطع الطريق على محاولة الفلسطينيين التحرك باتجاه الأمم المتحدة وتجنب الإحراج للإدارة الأميركية، وحلفائها العرب الذين ينشدون دعمها في الملف السوري، وإعطاء هذه الإدارة الفرصة للتفرغ لمعركة الانتخابات ومساعدتها على الفوز بها، مقابل وعود جوفاء لن تختلف عن سابقاتها من الإدارات الأميركية التي ظلت على الدوام تقدم وعودًا جوفاء خالية من أي التزامات حقيقية وإنما هي لشراء الوقت وجني المكاسب السياسية، سواء من قبل الإدارة الأميركية أو من قبل حليفها الكيان الإسرائيلي المحتل، وبالتالي من غير المستبعد أن تكون هيلاري كلينتون قد فاوضت الرئيس عباس على أن نشاط الدبلوماسية الأميركية باتجاه القضية الفلسطينية مرهون بما سيقدمه الفلسطينيون والعرب من دعم للرئيس أوباما.