بعد جولات من المداولات والمناقشات وصفت بالشاقة والعاصفة، انفض سامر مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة ليخرج بمجموعة من القرارات خالفت ما كان يجب أن تقتضيه المصلحة الوطنية السورية وما كان يرجوه الشعب السوري من هذا المؤتمر الذي جاء عقب اجتماع مجموعة العمل حول سوريا في جنيف السبت الماضي، فقد جاءت ما سميتا بوثيقتي "العهد الوطني وملامح المرحلة الانتقالية" في ختام المؤتمر صادمتين لما تتضمنانه من دمار بحق سوريا وشعبها؛ دمار لا يبقي ولا يذر، حيث كان الاتفاق على إسقاط "النظام ورحيل "الرئيس" بشار الأسد، ورموز السلطة، وضمان محاسبة المتورطين منهم في قتل السوريين، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، في قفز واضح على الحوار السياسي كخيار ومخرج ووسيلة تحقيق مثلى لما آلت إليه نتيجة المؤتمر، فقد أسقط الحل السياسي تمامًا من أجندة المؤتمرين، والذي كان المنتظرون لنتائج المؤتمر يعولون عليه لإخراج سوريا وشعبها من هذه الأزمة، وبدلًا عن ذلك وافق المؤتمرون على الدعم الكامل لما يسمى "الجيش السوري الحر" الذي يتألف بشكل رئيسي من المتمردين المنشقين؛ أي أن الخيار الذي توافقوا عليه هو العنف وإراقة المزيد من الدماء السورية، ليكون وصولهم إلى السلطة معمدًا بالدم.

في الحقيقة أن المؤتمر الذي وصفه ما يسمى "الجيش الحر" بالمؤامرة في معرض تبريره على عدم المشاركة فيه، قد عكس الصورة المستقبلية التي ستكون عليها سوريا، وهي صورة مفزعة بكل المقاييس، ومدمرة للدولة السورية، وممزقة لها، ومبيدة للشعب السوري، ومفتتة للتعايش السلمي بين أطياف المجتمع السوري، وذلك من حيث:

أولًا: إن الدم السوري أصبح رخيصًا ولا قيمة له بالنسبة إلى هؤلاء المؤتمرين، ونقول المؤتمرين وليس المعارضة للتاريخ، لكون أن هذا المستقبل المدمر لدولة عربية في حجم سوريا ترسمه وترعاه جامعة الدول العربية التي تعد تلك الدولة أحد المؤسسين لهذه الجامعة العتيدة، وذلك حين وضع هؤلاء المؤتمرون الحل السياسي القائم على الحوار الوطني تحت أحذيتهم، رافضين الاعتراف بالطرف الآخر، مفضلين لغة القتل والعنف وإراقة دماء الشعب السوري، اعتقادًا منهم أن المتمردين المنشقين وبقية الجماعات المسلحة وعناصر تنظيم القاعدة سيحققون ما توافقوا عليه في مؤتمرهم في أمد قريب وقريب جدًّا. فهذا الخيار، بالإضافة إلى التحريض والتأليب والدعاية الممجوجة، يفضح ما يزعمونه من أنهم حريصون على الدم السوري، وأنهم يعملون على حماية المتظاهرين والسعي لتحقيق مطالبهم، فالعنف لا يولد إلا العنف، والمواجهة المسلحة لا تسقط إلا قتلى وجرحى وتسكب الدماء.

ثانيًا: المؤتمر عكس الصورة غير الحضارية للمؤتمرين، التي هي بالتأكيد انعكاس للمستقبل الذي يطبخ ويرتقب لسوريا الجديدة، فحسب مصادر حاضرة في المؤتمر، تحول المؤتمر إلى مشاجرات وعراك بالأيدي وانسحبت جماعة كردية سورية من الاجتماع، مثيرة فوضى وصرخات من بعض المندوبين الذين هتفوا "فضيحة .. فضيحة".

 وبكت نساء بينما تبادل رجال اللطمات. وسارع عاملون بالفندق الذي عقد فيه الاجتماع إلى إبعاد المناضد والمقاعد مع اتساع المشاحنات، حيث بلغت حدة الخلافات مبلغًا جعلت نبيل العربي يهرول وراء المنسحبين لإقناعهم بالعودة إلى المؤتمر، وذلك على خلفية الاختلاف على اقتسام الكعكة.

وقد شهد المؤتمر عمليات ماكياج قامت بها بعض القوى الراعية للمؤتمرين والتي تتقاسم ولاءات المعارضة السورية لها، وذلك بممارسة ضغوط ليخرج المؤتمر بتوافق بين المعارضة لتظهر موحدة أمام الرأي العام السوري والعالمي، وأن بإمكانها أن تتفاوض مع بديل عن "النظام".

الخلاصة، هي أن المؤتمر تمخض فولد نهجا مدمرًا، حين أسقط الحل السياسي، وحل محله العنف والقتل، وعقد من أجل إجهاض الجهود الدولية القائمة بدءًا من خطة كوفي أنان وانتهاءً بمؤتمر جنيف، بمعنى آخر، أن المطلوب هو رأس سوريا ولا غيره.