بتسليم المؤسسة العسكرية السلطة إلى رئيس منتخب تطوي مصر صفحة ثلاثة عقود من حكم الحزب الواحد، بعد مخاض عسير استمر لمدة سبعة عشر شهرا وخرجت في نهايته من عنق الزجاجة أمس ليتحقق حلم المصريين بدولة مدنية ديموقراطية تؤمن بمبدأ تداول السلطة.

هذا الإنجاز الذي تحقق لكل المصريين يضع رئيسهم الجديد محمد مرسي أمام مسؤولية كبيرة واستحقاقات هامة، لا مكان فيها لشارع أو ميدان، وترتضي حكم المؤسسة القضائية في كل الملفات التي حسمتها.

وما بين التفاؤل والتشاؤم، استقبل المتابعون الإشارات التي حملها خطابا الرئيس الجديد في كل من ميدان التحرير وجامعة القاهرة، ورغم الساعات القليلة التي فصلت بين الخطابين الأخيرين إلا أن المراقبين لاحظوا الفرق بين خطاب ما قبل التنصيب وخطاب ما بعد أداء اليمين الدستورية، مدعومين برمزية "الميدان" و"الجامعة".

فالخطاب الأول الذي ألقاه مرسي بين المجتمعين في ميدان التحرير كان أشبه ما يكون بخطاب الترضية للثوار، وخصوصا بعد أن وجد الرئيس الجديد نفسه مضطرا لأداء اليمين أمام المحكمة الدستورية بدلا من البرلمان الذي حل بعد حكم القضاء بعدم دستوريته، فيما جاء خطاب "جامعة القاهرة" متزنا نوعا ما، وقومي النفس وخصوصا حينما تحدث مرسي عن القضية الفلسطينية والأزمة السورية.

مصر اليوم، يجب أن تكون دولة لجميع المصريين، وليست دولة حزبية، ومع عدم إغفال الدور الذي قام به الشعب الثائر الذي انتفض ضد حكم النظام السابق، إلا أنه يتعين على رئيسها الجديد الاحتكام إلى مؤسسات الدولة بكونها صاحبة السلطة، وإلا ما الفائدة التي تحققت لمصر الجديدة إن كان الشارع سيظل هو المتحكم في قراراتها؟

الكثير من الملفات تنتظر مرسي بعد تسلمه السلطة من الجيش، ولكي تبدأ العجلة بالدوران يجب أن يكتمل عقد مؤسسات الدولة، من تشكيل حكومة جديدة والدعوة إلى انتخابات برلمانية بعد حل المجلس السابق، دون تأخير، لكون إنجاز ملف الرئاسة لا يفوق أهمية ما ينتظره الشعب المصري من قرارات لرفع مستوى معيشة أفراده والقضاء على البطالة وتحسين الرواتب وتجويد الخدمة الطبية وتحسين العملية التعليمية وكافة مقومات الحياة.