إذا صحت الرواية بأن أسباب تأجيل انعقاد اللقاء الذي كان يجمع بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وشاؤول موفاز نائب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي ترجع إلى الضغوط الشعبية، وليس وفق الرواية الرسمية القائلة بأن الأسباب هي المواعيد الرسمية للرئيس عباس وانشغالاته السياسية، فإن ذلك يعد تحولًا فلسطينيًّا على الصعيد الرسمي بأن يكون المحرك للسياسة الفلسطينية هو صوت الشعب ورغبة الجماهير الفلسطينية. حيث تواردت الأنباء بأن الغضب الشعبي وتخوف السلطة من اتساع رقعة الاحتجاج الشعبي ضد لقاء عباس ـ موفاز دفع قيادة السلطة إلي طلب تأجيله.

في حقيقة الأمر، إن لقاء عباس ـ موفاز إذا ما عقد، لا ولن يختلف عن عديد اللقاءات والمفاوضات التي عقدت من قبل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فقد كانت دائمًا تخرج بحمل كاذب، لدرجة أن انعقادها فيه ظلم وحيف كبيران للشعب الفلسطيني، وذلك من حيث إنها عبارة عن دعاية إسرائيلية تهدف إلى الترويج للسياسة الإسرائيلية بأنها تعمل من أجل السلام وتسعى إلى تحقيقه، وطبعًا الإعلام الصهيوني والموالي ومعه بعض العربي لن يصدق أن يعقد لقاء أو تنعقد مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى يملأ مساحات أخباره تطبيلًا وزعيقًا، بينما على الأرض تنفذ خدعة يسرق من خلالها الحق الفلسطيني ويغتصب، حيث آلة استيطان لا ترحم؛ تلتهم الأرض الفلسطينية دون توقف، وآلة قتل لا تعرف الرحمة أو الشفقة؛ فتستبيح الدم الفلسطيني دون خوف أو مواربة، أو أدنى مراعاة لمعاني الإنسانية والبشرية، وحركة تهويد تدنس مدينة القدس المحتلة دون هوادة.

إن الشعب دائمًا هو مصدر القوة، ومنبع الحق، ومعين الشرعية، والمُعين وقت الشدة والأزمات، ووقت الحاجة، فبالرجوع إليه والاستماع إلى صوته تزداد قوة الموقف قوة، ولذلك فإن إصغاء السلطة إلى صوت الشعب الفلسطيني والرضوخ لمطالبه أمر حسن ومطلوب، وسوف تكون له آثاره الإيجابية على موقف السلطة من مجمل القضايا العالقة مع الاحتلال الإسرائيلي ومع المجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته، لا سيما قضية الاستيطان وعدم الاعتراف الإسرائيلي بالحق الفلسطيني، فهذا التحول يأتي في ظل قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أمس الطلب من مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع عاجل لمناقشة تصاعد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وما يجب أن تدركه السلطة الفلسطينية ـ ونعتقد أنها تدركه فعلا ـ أن المصالحة هي الخطوة الثانية بعد خطوة الرضوخ للرفض الشعبي بعقد اللقاء بين عباس وموفاز، فالمصالحة أيضًا مطلب شعبي، وقد خرج الفلسطينيون في الكثير من المسيرات الرافضة للانقسام وعودة المصالحة الوطنية.

إن قرار التحرك نحو مجلس الأمن لعرض أصعب معضلة تهدد القضية الفلسطينية، ونعني هنا قضية الاستيطان، قرار جيد يجب أن يوفر له الفلسطينيون كل مقومات القوة والدعم، وعدم التراجع أمام الإغراءات أو الوعود الجوفاء الكاذبة، وبالتالي العودة إلى مربع الصفر، ولذلك لابد أن يوضع مجلس الأمن أمام مسؤولياته الأخلاقية، فالتوجه إلى مجلس الأمن فرصة لتنكشف أكاذيب بعض أعضائه وخدعهم، ولفضح مزايداتهم على قضايانا العادلة وحقوق الإنسان العربي والحريات المدنية والعدالة والمساواة، فبضدها تتميز الأشياء، لكن يبقى الرهان على مدى صلابة الموقف الفلسطيني ومواصلته المشوار.