إذا كان قدر بعض المجتمعات أن تفرض عليها حروب تودي بثرواتها البشرية والطبيعية، فإن هناك على الجانب الآخر مجتمعات قدرها أن تواجه تحديات لا تقل ضراوة عن تلك الحروب تتمثل في حوادث السير والمخدرات والمؤثرات العقلية، التي بدأت تحصد أيضًا ثرواتها المتمثلة في شبابها وثرواتها المادية.
ويعد مجتمعنا العماني واحدًا من هذه المجتمعات التي قدر لها أن تواجه هذين التحديين الشرسين اللذين أخذا يضربان بقوة في أكثر من بقعة، وإذا كان لافتًا تلك الإحصائيات التي تنشرها شرطة عمان السلطانية عن عدد الوفيات والإصابات الناتجة عن حوادث السير، فإنه أيضًا كان لافتًا عدد حملات المداهمة التي تنفذها الشرطة لعدد من أوكار المروجين والمتعاطين للمواد المخدرة، فيوم أمس وحده أسفرت حملة المداهمات التي نفذتها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في العديد من المواقع في محافظة مسقط عن القبض على 76 شخصًا ضبط بحوزتهم على كمية من المواد المخدرة وأدوات للتعاطي.
كما تمكنت الإدارة أيضًا من إلقاء القبض على أحد تجار المواد المخدرة في منطقة الحيل الجنوبية بولاية السيب وبرفقته امرأة من جنسية آسيوية كانت تساعده في عملية ترويج المخدرات بين أوساط المتعاطين وإحباط تهريب كمية من المؤثرات العقلية تبلغ (5800) حبة ترامادول،. وهو ما يعد تطورًا ملحوظًا على هذا الصعيد، من حيث سرعة انتشار هذه السموم وزيادة رقعة انتشارها وعدد مروجيها، وهو ما يثير الفزع ويضع في الوقت نفسه علامات استفهام كثيرة.
إن موقع بلادنا وإمتداد سواحلها يغري على ما يبدو تجار هذه السموم، حيث يسعى هؤلاء الأشرار الى جعل السلطنة سوقًا لترويج هذه السموم، ربما متصورين ضعف الرقابة والمكافحة أو مستغلين عدم إيقاع العقوبات الرادعة المغلظة على من يلقى القبض عليهم متلبسين، وهذا ما يدعو الحكومة إلى أهمية مراجعة القوانين الخاصة بقضايا المخدرات والمؤثرات العقلية والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات هذا الوطن وشبابه، وضرورة مراجعة أثر الأيدي العاملة الوافدة وتدفقها، ناهيكم عن الأيدي العاملة السائبة التي تسعى إلى الحصول على المال بأي صورة من الصور، سواء عن طريق ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية، وإيجاد أجيال من أبناء وطننا تجعل منهم سوقًا لها للربح السريع، أو حتى القيام بأي جرائم أخرى ليس فقط الترويج وبيع المخدرات والمؤثرات العقلية.
وهذا التحدي يقود إلى أن يكون المواطن على قدر المسؤولية الوطنية وحماية ثروات وطنه من الشباب وثروات بلاده المادية التي يجب أن تذهب في جوانب التنمية بدلًا من هدرها على علاج حالات الإدمان، وذلك بالتوقف عن جلب الأيدي العاملة الوافدة وتسييبها سعيًا وراء الربح السريع، والتعاون مع شرطة عمان السلطانية والأجهزة الأمنية لمكافحة آفة المخدرات والمؤثرات العقلية والإبلاغ حتى لمجرد الشك في الأشخاص.
نعم خيرًا فعلت شرطة عمان السلطانية بإنشاء الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية لتعمل جنبًا إلى جنب مع اللجنة الوطنية لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، إلا أنه لابد من تكثيف الحملات التوعوية وتنبيه الأطفال والشباب بخطر المخدرات على صحة الفرد والمجتمع، والأساليب والطرق التي يتبعها المروجون والتجار لهذه السموم، والعلامات والملامح التي تميز المتعاطين والمدمنين للحذر منهم، مع تكرار تأكيدنا على أهمية إعادة النظر في القوانين المتعلقة بجرائم المخدرات والمؤثرات العقلية ووجوب تغليظها لتكون رادعًا قويًّا.