كعادتها تواصل إسرائيل قصف قطاع غزة، ليسقط العديد من الشهداء والجرحى، من المدنيين العزل، والمقاومين الشرفاء، بينهم أطفال ونساء. يبدو أن هذا الوقت مناسب لحكومة نتنياهو لقصف قطاع غزة وحرق مساجدها من جهة ومواصلة تهويد القدس من جهة أخرى. فالعالم العربي أصبح مشتتا على المستوى السياسي في هذه الفترة، بسبب الأوضاع الطارئة بعد الربيع العربي، المشهد المصري في غاية التعقيد بسبب الانتخابات الرئاسية، وفي سورية النظام مشغول بتصفية الشعب ووأد الثورة، وفي كل بلد عربي من الهم ما يغنيه عن حتى مجرد التنديد بالجرائم الإسرائيلية في حق الفلسطينيين، التي أصبحت مجرد أخبار يومية يتم تناولها مع قهوة الصباح.
هذا التصعيد من جانب الإسرائيليين المتمثل في قصف قطاع غزة يراد منه لفت الأنظار عن استمرار تهويد القدس وبناء المستوطنات، فتكثف إسرائيل غاراتها على قطاع غزة، والحجة الإسرائيلية جاهزة في كل وقت، وهي أن صواريخا تم إطلاقها من القطاع على مواطني إسرائيل.
الفلسطينيون لا يواجهون الاحتلال من نظام يمارس إرهاب الدولة وحسب؛ وإنما يواجهون أيضا شعبا محتلا تشبع بثقافة العنصرية والتطرف، وهو ما دعا مجموعات من اليمين الإسرائيلي إلى حرق المساجد في فلسطين، التي وصل عددها إلى أكثر من 25 مسجدا، كان آخرها مسجد في قرية جبع قرب رام الله كتبت على جدرانه عبارات من قبيل: "الحرب قد بدأت" و"سوف تدفعون الثمن". هذه العمليات تشن من قبل المستوطنين للضغط على حكومة نتنياهو بعدم إزالة مستوطنات يهودية في الضفة الغربية.
لقد أكد نتنياهو أكثر من مرة التزامه ببناء المستوطنات، وإسرائيل لن تتراجع عن هذا المد الاستيطاني، بل قد يكون شرطا للموافقة على أية مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين، فالظروف والتداعيات في المنطقة تصب جميعها في صالح إسرائيل. وفي ضوء ذلك كله نستطيع القول إن مجرد إيقاف الحكومة الإسرائيلية وشعبها المتطرف عن مواصلة الاستيطان وتهويد القدس وإبادة الفلسطينيين لن يتم عن طريق حلول سياسية، أو دبلوماسية خارجية فقط، فإسرائيل ستواصل مكاسبها على الأرض في ظل الضعف الفلسطيني والعربي، ولن تكون هناك بادرة أمل في تهدئة الأوضاع على الأرض إلا من خلال الوفاق الكامل بين طرفي السلطة الفلسطينية فتح وحماس، ويجب عدم إغفال المقاومة المشروعة التي لن تنجح إلا في ضوء سياسة فلسطينية لها أبعادها الاستراتيجية ومشروعها التحرري، والذي لن يخرج بالطبع عن محيطها الإقليمي. هذه هي المعادلة الصعبة التي ينتظرها الفلسطينيون.