هل لكل ابتكار علمي يخدم الإنسانية ويسهل أعمال البشر ويفتح لهم آفاق التواصل يجب أن تكون له ضريبة؟ أم أن الضريبة أساسًا غير موجودة وإنما من يفرضها على المبتكرات هم البشر أنفسهم؟
منشأ التساؤل السابق هو ما نراه ونسمعه عن وسائل الاتصالات الحديثة والتحول غير السليم وغير الأخلاقي والمنافي للمبادئ والقيم والفضائل، والمضاد للأهداف التي تحققها هذه الوسائل، وحرفها عن خدماتها التي تسديها لمستخدميها، فلم يقتصر الاستخدام السيئ على وسيلة دون أخرى، فمثلما تم تحويل السيارة من وسيلة انتقال إلى وسيلة قتل، تنقل الموت المجاني يوميًّا في الشوارع والحواري والأزقة، وإلى وسيلة تفاخر وتعالٍ وتباهٍ في اقتناء أغلاها وأسرعها، فكذلك الحال بالنسبة لكل من الشبكة العالمية للمعلومات "الإنترنت" وما تحويه من مواقع تواصل اجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر وبريد إلكتروني، والهاتف النقال.
فقد كان قديمًا يقال إن العالم في ظل ما يشهده من طفرة في عالم الاتصالات هو قرية كونية، ولكنه اليوم لم يعد كذلك، بل إنه أصبح شاشة، وذلك في ظل الانتشار الواسع في صناعة الحواسيب والهواتف النقالة، والتقدم التقني والتنافس الكبير بين الشركات المصنعة من خلال ما تضعه من مواصفات عالية التقنية تجذب المستخدمين وتغريهم، فضلًا عن دخول هذه الأجهزة وشبكة الإنترنت كل منزل، وانتشار ما يعرف بـ"مقاهي الإنترنت"، ما أمسى كل ذلك يطرح تحديات كبيرة على الدولة والأسرة والمجتمع بأسره وبمختلف مؤسساته في ممارسة دوره في نشر الوعي بالاستخدام الأمثل لهذه التقنيات، وتوظيفها في خدمة الحياة العملية وتبسيط الإجراءات وتسهيلها بما يختزل الوقت ويسرع من عمليات الإنتاج، وتوعية المستخدمين بتمييز ما يأتيهم عبرها من غث وسمين.
ومن المعروف عن هذه الوسائل التقنية الحديثة أنها سلاح ذو حدين؛ إيجابي وسلبي، تحددهما طريقة الاستخدام، فمن الممكن أن تمثل خطرًا محدقًا بالنواحي العقدية والأخلاقية والسلوكية والنفسية والاجتماعية، كما أنها من الممكن أن تكون قنوات تجري في مجاريها أنهار العلم والمعرفة والثقافة، ولذلك فإنه يتوقف على غياب الرقابة وتخلِّي مؤسسات المجتمع عن دورها في نشر الوعي، أو حضورها وتفعيل مؤسسات المجتمع دورها بصورة مستمرة في البيت والمدرسة والجامع والمسجد والمكتبات والحدائق وفي وسائل الإعلام المختلفة، يتوقف عليه الشيء الكثير.
وبدل أن يتم استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في تدعيم العلاقات الاجتماعية وتواصل الأهل والأصدقاء وإن نأت بهم الديار، وجعل ذلك وسيلة للتغلب على المسافات البعيدة وصعوبة السفر وما يحتاج إليه من تذاكر ومال وتقريب أبناء الأسرة الواحدة، يتم استخدامها في هدم القيم وجسور التواصل بين الشعوب ومع أفراد المجتمع، فينتج عن إفراط الشاب في استخدام الإنترنت فقدان الترابط مع مجتمعه المحيط ويعرضه للعزلة والنفور والتوتر والقلق، وبناء صداقات جديدة مع أفراد لهم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم المغايرة عن مجتمعه، ومحو كل ما بناه في حياته من قيم ومبادئ ومعارف وصداقات، ما يدفعه إلى التعبير الشاذ والتشهير بالرموز الوطنية والشخصيات الاجتماعية الفاعلة وحتى غير الفاعلة، والشخصيات في مواقع المسؤولية، والمضايقة والتجريح، والغيبة والنميمة والبهتان ونشر الإشاعة، واستخدام ألفاظ نابية دخيلة على المجتمع، وأساليب لا تمت إلى أخلاق المجتمع وإرثه وعاداته وتقاليده بصلة، وتقليد أفكار وآراء أصدقائه الجدد في تقليد أعمى لهم، وطلاق بائن مع مجتمعه، فيسوِّق أفكاره المشوهة وآراءه المسمومة تحت شعار التحضر والحرية وحقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم التي قد لا يفقه مضامينها أساسًا.
إن توسيع دائرة الاستخدامات للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وإتاحة الحرية أمام الشباب لا يعني بأي حال من الأحوال إعطاءنا الحق في تحويل هذه الوسائل إلى وسائل لنشر الفتنة والشقاق والإساءة إلى قيمنا وتراثنا ورموزنا والتعدي على حقوق الآخرين والتهجم عليهم والتعريض والتشهير بهم.