ليس هناك شيء أحوج إليه العالم اليوم بصورة عامة ومنطقتنا بصورة خاصة من قاعدتي الاستقرار والسلام في ظل ما تشهده مناطق من هذا العالم الواسع من بؤر وصراعات واقتتال ضاعفت معاناة البشر، وحياة البؤس الناتجة عن الفقر والجوع، حيث غدا السلام سلعة نادرة بل ومعدومة لدى الكثير من الدول التي تشهد توترات وصراعات، وكما هو معلوم أن السياسات التي تنتهجها حكومات الدول يتوقف عليها استقرارها ومساهمتها في السلم والأمن الدوليين، فالوضع الداخلي المستقر وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ورفضه تحت أي شكل من الأشكال، وتحت أي حجة من الحجج، وكذلك تحقق مظاهر العدالة الاجتماعية وتمتع أفراد المجتمع بحقوقهم التي تدعو إليها الشرائع والدساتير، هو بمثابة مرآة عاكسة وصفحة ناصعة البياض تعكس نجاح السياسة التي اختطتها هذه الدول، وتدل على ما تتمتع به قياداتها من حكمة وبُعْد نظر وقدرة على استشراف آفاق المستقبل وبناء علاقات صداقة وأخوة راسخة قائمة على الاحترام المتبادل ورفض التدخل في شؤون الغير، واختيار الحوار أسلوبًا في معالجة قضايا الشعوب العادلة ونصرتها، فكل ذلك من شأنه أن يبني جسور الثقة والصداقة والمحبة والتلاحم في الداخل بين أبناء البلاد، وفي الخارج كإطار يؤطر ما يربط البلاد بشقيقاتها وصديقاتها من علاقات سياسية ودبلوماسية.

وحين تتحقق هذه المظاهر فإن المقياس لمستوى الاستقرار السياسي والأمني والمعيشي والاجتماعي يفترض به أن لا يحيد عن هذه الحقيقة أو يقفز عليها تحت أي عامل من العوامل المؤثرة على المزاج أو الضاغطة على القناعة حين يرصد تلك المظاهر، فتدفع ذوي المقياس إلى تحديد المؤشر وفق أهواء معينة أو مصالح خاصة، لأن مثل هذه المصالح والأهواء تفضحها النتائج. فقد كان لافتًا ذلك من خلال نتائج مؤشر السلام العالمي لدى معاهد سلام لها صفة الدولية، ففي الوقت الذي تحافظ فيه دول على مركزها المتقدم في مؤشر السلام لبعض المعاهد لأكثر من مرة، تجد مركزها يتراجع لدى معاهد أخرى، مع أن هذه الدول قد اختبرت سياستها المهادنة والسلمية والمحبة للسلام والراعية لحقوق مواطنيها والمستجيبة لمطالبهم في سرعة استلفتت الانتباه، إلا أن ذلك لم يشفع لها، أو ربما لم تشاهد هذه المعاهد الحقيقة بأُم عينها، أو تغاضت عنها، أو كانت حين تجري دراستها وتقييمها خاضعة لعوامل ومؤثرات قد يكون أحد أوجهها ماليًّا، أو أغراضًا سياسية وأجندة خاصة فتخالف في تقييمها ما انتهت إليه معاهد سلام أرقى وأقدم منها وأكثر مصداقية منها، حيث كان واضحًا احتلال دول مراكز متقدمة في المؤشر غير أن سياستها غارقة حتى النخاع في التدخل في الشؤون الداخلية للدول وخدمة مشاريع مريبة، وهنا يتبين صدق مؤشرات هذه المعاهد من عدمه.

وعلى الرغم من نتائج مؤشرات السلام العالمي واحتلال دول مراكز متقدمة أو متأخرة فإنها تبقى مسائل تقديرية، غير أن هذا لا يعني أن العالم ليس في حاجة إلى السلام والاستقرار، وإنما هو بحاجة ماسة لهاتين القاعدتين لانتشال الشعوب من الصراعات والحروب والجهل والفقر والجوع، وتحسين حياتهم المعيشية وتوفير الأمن والأمان وتمكينهم من الانطلاق نحو آفاق المحبة والتواصل الحضاري والثقافي.

إن سياسة السلطنة منذ بزوغ فجر النهضة المباركة قد اختط منهجها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والذي (أي المنهج) يقوم على مد يد المحبة والسلام وعلى الاحترام المتبادل وجعل الحوار أسلوبًا لحل قضايا الشعوب، وعلى الشراكة الحقيقية والفعلية بين الحكومة والمواطنين وتفعيل دور المؤسسات الحكومية والخاصة والشعبية، باعتبار كل ذلك القاعدة التي تقف عليها أركان العمل النهضوي والتنموي والعلاقات المميزة، سواء بين الحكومة والمواطن أو بين الدولة وجيرانها من الدول الشقيقة والصديقة، حيث ارتكزت السياسة العمانية على مبادئ مكَّنتها من أداء رسالتها السامية، ونفخت فيها روح التعامل مع القضايا المحلية والإقليمية والدولية، مبرزة في الوقت نفسه الوجه الحضاري والمشرق لعُمان كدولة مسالمة محبة للسلام، لها قيمها ومبادئها لا تحيد عنها مما يؤهلها لاحتلال المركز الطليعي في التقييم العالمي.