هل فعلًا أن خطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا دخلت مرحلة الاحتضار، وأن اقتراحه إنشاء مجموعة اتصال جديدة تضم قوى عالمية لها القدرة على الضغط على أطراف الأزمة السورية، محاولة منه إجراء عملية إنعاش قبل أن يحرر شهادة وفاتها؟
ما يبعث على الحيرة والدهشة أن ثمة إجماعًا على أن خطة أنان هي المخرج السلمي الذي يوفر خروجًا آمنًا من الأزمة ويوقف العنف، إلا أن واقع الحال وطريقة التعاطي تناقض تمامًا ما يقال على المنابر الإعلامية والمؤتمرات الصحفية جملةً وتفصيلًا، حيث على الأرض نجد أسلوبًا مختلفًا ومغايرًا تتبعه القوى المؤيدة والداعمة للمعارضة السورية عبر دعم المسلحين والمتمردين بالمال والسلاح، والتخلي عن ممارسة أي ضغط حقيقي يجبر هؤلاء المسلحين والمتمردين على وقف عنفهم واستهدافاتهم للمدنيين وقوات حفظ النظام السورية، وعلى منع استفزازاتهم، وذلك لإعطاء خطة أنان فرصة حقيقية وكافية تسمح بالانتقال من نقطة إلى أخرى حتى النقطة السادسة والأخيرة، بل على النقيض من ذلك يقوم هؤلاء الداعمون بين الفينة والأخرى بعقد مؤتمرات خاصة لدعم المعارضة السورية، لا تهدف من خلال نتائجها إلا إلى تحريض المعارضة لمواصلة عنفها وتمردها على الحلول المنطقية والعقلانية التي توفرها خطة المبعوث الأممي والتي صاغها بتفاهم عربي ـ روسي بغرض تلبية مطالب المحتجين وتحقيق تطلعاتهم؛
أي أن الخطة مفصلة وفق مطالب المحتجين ورغباتهم، وبالتالي من المفترض أن يكون أول ملتزم بها وساعٍ إلى إنجازها الطرف المعارض وداعميه. وعلى النقيض من ذلك لم يتوقف الضغط على الحكومة السورية واتهامها بأنها هي المعرقل للخطة وأنها تسعى إلى نسفها، وللأسف هذا الاتهام جاء قبل أن يتم البدء بتطبيقها، ولم يقتصر هذا الضغط والاتهام على داعمي المعارضة السورية المسلحة فحسب، وإنما من قبل كوفي أنان نفسه الذي حمَّل الخميس الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الحكومة السورية مسؤولية فشل الخطة، معرجا على استحياء الى المعارضة السورية، في حين يفترض به كوسيط محايد أن يوازن في تصريحاته، وألا ينساق وراء طرف معين، لاسيما وأنه قد حذر من أن خطر نشوب حرب طائفية أو أهلية لا يهدد بانفجار سوريا من الداخل، بل تفجيرها من الخارج.
هناك جدل واسع يقوده عدد غير قليل من القوى والنخب السياسية المؤيدة للمعارضة السورية المسلحة ولتمردها بأن الحكومة السورية تكره الانخراط في حوار سياسي مع المعارضة وفق خطة أنان، لأنها ستكون ساعتئذ غير قادرة على تلبية المطالب الشعبية ما يهدد بسقوطها بالكامل، وبالتالي لا حل لها لمواجهة ذلك سوى الحل الأمني الوسيلة المثلى للتخلص من ربقة هذا الوضع. ولكن إذا كانت المعارضة السورية ومن يدعمها واثقة من أن الحوار السياسي هو المعول الذي سيهدم جدران الحكومة السورية، فلماذا ترفض المعارضة ذاتها هذا الحوار؟، ولماذا أعلن جناحها العسكري، المسمى الجيش الحر، تنصله من خطة المبعوث الأممي ـ العربي ويطالب الغرب تزويده بسلاح متطور؟
إن الحقيقة المجردة هي أن إنجاح خطة كوفي أنان غير مطلوب، لأن هناك من لايزال يتحسب بل ومقتنع بعدم نجاح الحوار في إسقاط الحكومة؛ لأن مؤيديها في الداخل كثيرون بل أكثر من مؤيدي المعارضة نفسها، والقوى الداعمة للحكومة لاتزال عند موقفها الرافض لأي تدخل عسكري أجنبي، وستعمل على دعمها وإسنادها أثناء الحوار إذا ما تم، ولذلك فإنه في ظل هذه المستحيلات لم يبق أمام المعارضة من خيار سوى خيار الحرب الأهلية التي ستحقق أحلام الساعين إلى تدمير سوريا وتمزيقها، حيث ستعمل القوى الخارجية الداعمة على تقديم دعمها للأطرف المؤيدة له، وما مجزرتا الحولة والقبير إلا مجرد فتيل لإشعال هذه الحرب.