لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن القضية الفلسطينية بدأت تخبو من الذاكرة الجمعية العربية، فقد أضحت في ذيل قائمة الاهتمامات العربية، وفي ذيل عناوين الأخبار في القنوات والصحف الإعلامية العربية، حيث استطاع الغرب الموالي للكيان الإسرائيلي المحتل والغاصب للحق العربي والفلسطيني أن يشغل العرب ومعهم الفلسطينيون بمخططاته وبسياساته وآرائه وتدخله المباشر في الاضطرابات والاحتجاجات العربية التي زينها لهم باسم "الربيع العربي"، الذي جاء ليوفر على الاحتلال الإسرائيلي وقتًا ثمينًا ويمنحه فرصًا ذهبية لمواصلة مشاريعه الاحتلالية والاستيطانية ومشاريع التهجير العنصري وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الإنسانية، فقد استغل المحتل الإسرائيلي حالة اللااستقرار التي تشهدها دول عربية لا سيما الدول المؤثرة واللاعبة والمحورية في المنطقة وتحديدًا مصر وسوريا، لسرقة ما تبقى من الأرض الفلسطينية وفرض سياسة أمر واقع تقوم على فرض مزيد من إجراءات التهجير والتشريد العنصري والقتل والاعتقال، ومضاعفة إجراءات التهويد القسري وإلباس الهوية "اليهودية" كل شبر من الأرض الفلسطينية وعلى كل معلم فلسطيني وعربي وإسلامي وحتى مسيحي.
ويأتي المشروع الاستيطاني الجديد بتسمين مستوطنات الضفة الغربية ببناء 551 وحدة سكنية جديدة، بعد ساعات من رفض الكنيست مشروع قانون من شأنه تقنين البؤر الاستيطانية غير المرخصة بأثر رجعي، ليعطي دليلًا إضافيًّا على حالات الاستخفاف بالحق الفلسطيني، وعلى مدى استغلال الاحتلال الإسرائيلي للوضع العربي المهلهل والمشغول في نفسه، كما أن تسويق رفض مشروع القانون ثم التحايل عليه يؤكد أيضًا المسرحيات الهزلية وأساليب اللف والدوران والخداع التي يمارسها المحتل الإسرائيلي لإيهام الرأي العام العالمي بأنه يعمل من أجل السلام، ويعمل على إيجاد الظروف المواتية لتحقيقه، وإيجاد الأجواء المشجعة على استئناف المفاوضات التي طالما رفضها الجانب الفلسطيني بحجة استمرار الاستيطان.
ومع العلم أن هذه الوحدات الجديدة تضاف إلى 300 وحدة أخرى أعلن عنها رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه سيتم بناؤها في مستوطنة (بيت إيل) بالضفة الغربية، في مسعى منه لاسترضاء المستوطنين والتيار اليميني الإسرائيلي عقب رفض مشروع القانون الذي عارضه نتنياهو نفسه. كما يأتي هذا المشروع الاستيطاني الجديد مع صدور تقرير مرحلي سنوي عن المفوضية الأوروبية هذا الشهر، حول تنفيذ الشراكة الأوروبية ـ الإسرائيلية (تقرير السياسات للدول المجاورة الشريكة)، حيث أشار التقرير إلى أن التطور بما يخص الجماهير العربية داخل الكيان الإسرائيلي جاء محدودًا، وأن حقوق الجماهير العربية ما زالت محدودة خلال العام 2011. ويسلِّط التقرير الضوء على قضايا رئيسية منها مخطط يهدف إلى اقتلاع بين ثلاثين إلى أربعين ألف بدوي من أرضهم وبيوتهم والقرى غير المعترف بها في النقب.
إن ما يثير الدهشة والاستغراب أن تتجه جامعة الدول العربية إلى الأمم المتحدة لمطالبة مجلس أمنها بإدراج خطة كوفي أنان مبعوث المنظمة الدولية والجامعة إلى سوريا تحت الفصل السابع، وسط أهداف غربية مكشوفة من التدخل في الأزمة السورية، بينما يتم تجاهل الحقوق الفلسطينية، ويترك المحتل الإسرائيلي يعيث فسادًا وقهرًا وظلمًا وعدوانًا بحق الشعب الفلسطيني.
إن استمرار الغرب في مسلسل إشغال العرب عن قضيتهم المركزية ـ في تقديرنا ـ لن يتوقف حتى يحقق الاحتلال الإسرائيلي ما يسعى إليه ويوجد وقائع جديدة على الأرض ما دام هذا حال الموقف العربي، فالغرب منذ النكبة واغتصاب فلسطين لم يتوقف لحظة عن تقديم أي شكل من أشكال تمكين الكيان الإسرائيلي المحتل وضمان تفوقه، وفي سبيل ذلك خاض حروبًا مدمرة ضد دول عربية، وجزَّأَ أخرى وجردها من مصادر قوتها المتمثلة في ثرواتها الطبيعية والبشرية، ويعد تدخله اليوم بحرف مطالب المحتجين عن شرعيتها نوعًا من أنواع الحروب التي للأسف يقوم العرب بتقديم كافة أشكال الدعم له. وما لم يفق العرب من حالهم هذا فإنه سيأتي عليهم زمن يجدون فيه ليست قضيتهم المركزية قد صفيت وحدها، بل دولهم قد مزقت معها.