منذ المخاض العسير لولادة الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي وإلى اليوم لا تزال الغمامة التي تغطي المشهد العراقي برمته مستمرة، ويبدو أنه ليس هناك في الأفق ما يشير إلى إمكان زوالها في المستقبل القريب، ما يشير إلى أن العراق سائر في طريق مجهول المعالم لا يعرف نهايته، وماذا ينتظره في نهايته، لا سيما وأن ثمة ملفات شائكة تتحكم في هذا الوضع، ومن بين هذه الملفات الملف الأمني الذي تتصدره التفجيرات ومتوالية المفخخات والاستهدافات، فأمس الخميس وحده شهد مقتل 17 شخصًا على الأقل وإصابة العشرات بجروح في سلسلة هجمات هزت مناطق متفرقة من بغداد، في أكبر أعمال عنف تضرب المدينة منذ أكثر من شهر، وثاني الملفات الاستعدادات الجارية لسحب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، حيث بلغت جهود الساعين إلى ذلك مراحلها النهائية بحشدهم العدد الكافي من الأصوات داخل البرلمان لمسار إجراءات سحب الثقة، وفق الأنباء والتقارير الواردة من العراق.
وحسب القائمة العراقية استطاعت القوى السياسية جمع تواقيع أكثر من النصف المطلوب؛ أي أكثر من 163 توقيعًا لسحب الثقة، وأن عملية جمع التواقيع ما زالت مستمرة. وتتطلب عملية سحب الثقة عن المالكي أن يقدم رئيس الجمهورية طلبًا إلى مجلس النواب بسحب الثقة، ليتم بعدها تصويت أعضاء البرلمان البالغ عددهم 325 نائبًا على الطلب، وفقًا للدستور العراقي. وإذا ما حصل الطلب على 163 صوتًا على الأقل؛ أي نصف عدد الأعضاء زائد واحد فإن عملية سحب الثقة ستكون شرعية.
والملف الثالث يمثل العلاقة المتوترة بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان العراق على خلفية قيام الإقليم بالاستيلاء على الأسلحة الثقيلة للجيش العراقي الذي قام بحله المحتل الأميركي، ورفض حكومة الإقليم تسليم هذه الأسلحة إلى الحكومة المركزية التي تطالب بها. أما الملف الآخر فهو حالة التصادم والمماحكات القائمة بين الكتل السياسية المشكلة للحكومة على خلفية اتهامات باستفراد المالكي بالقرار وسيطرته على الملف الأمني والجيش والشرطة والاستخبارات، وتحويل الحكومة إلى حكومة فرد بدلًا من حكومة تعددية، فجعل من نفسه مطلق الصلاحيات وبيده القرار وحده، ما دفعه إلى إزاحة شركائه في العملية السياسية معتبرًا إياهم بأنهم شركاء اليوم لكنهم خصوم الغد الذين سيمثلون عائقا أمام طموحاته في الاستفراد والبقاء، ولعل قضية طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية أحد الأدلة التي تعبر عن حقيقة المشهد السياسي في العراق.
إن هذا الواقع السياسي البغيض هو نتيجة طبيعية في بلد محتل كالعراق، فالصراعات الحزبية والطائفية والمذهبية هي أحد إفرازات الاحتلال التي تجميلًا لوجهها القبيح اصطلح الفرقاء وقادة الكتل السياسية على تسميتها بنظام المحاصصة؛ لأن العمل من أجل الطائفة أو الحزب أو حتى المذهب دون العمل من أجل الوطن والبلد، عمل غير وطني وغير مسؤول وبعيد عن الديمقراطية التي ملأ الغزاة العالم ضجيجًا بها والتي كذبوا وزوروا الحقائق أنهم غزوا العراق من أجل أن يتمتع الشعب العراقي بجنتها ويتفيأ ظلالها، غير أنهم لم ينشروا في الحقيقة إلا بذور الطائفية البغيضة لتمزيق المجتمع العراقي، وقتل روح المواطنة لدى أبناء الشعب العراقي بجميع مكوناته وفئاته وطوائفه.
صحيح أن هذا التأزيم قد يكون مقصودًا وله علاقة بالأزمة السورية على خلفية موقف المالكي منها والذي ظهر بصورة بارزة بعيد قمة جامعة الدول العربية التي استضافتها بغداد، وإعلان المالكي رفضه تسليح المعارضة السورية وتهريب السلاح وإسقاط الحكومة السورية، إلا أن المتضرر من كل ذلك هو الشعب العراقي الذي يتربص به الموت المجاني المنقول بواسطة المفخخات والقنابل اللاصقة والاغتيالات، والذي تنهشه أيضًا أنياب الحرمان من أبسط الحقوق، وأنياب الجوع والفقر والجهل والمرض. إن الشعب العراقي بحاجة إلى أن يستعيد عراقه المسلوب المدمر وإعادة بنائه، وبحاجة إلى أن يستعيد عافيته ويسترد حقوقه ويشعر بوجوده مثل بقية الشعوب، وهذا لا يحققه إلا حكومة وطنية تعمل من أجل مشروع وطني يحفظ للعراق سيادته واستقلاله وتكفل كافة حقوق مواطنيه، تنتفي فيه الطائفة والحزب.