من أهم الحقائق التي اثبتها الربيع العربي، خلال اكثر من 16 شهرا، منذ ان خفقت رياحه في تونس الخضراء، لتصل الى كافة الدول العربية الشقيقة، هي فشل الحلول الامنية فشلا ذريعا، في كافة الاقطار التي احتكمت الى القوة العسكرية وبالذات في ليبيا وسوريا والى حد ما في اليمن.
اسباب هذا الفشل كثيرة ولكن اهمها هو اصرار الشعوب على سلمية الثورة، والحفاظ على الممتلكات العامة، ورفض الانجرار الى كمائن السلطة باستعمال السلاح، ومن هنا كانت النقمة بالغة والسخط عنيفا، والادانة قوية لمبارك ونظامه في موقعة الجمل بعد ان اطلق البلطجية، والخارجين على القانون ليمارسوا الخراب والدمار والموت، وينشروا الرعب في ميدان التحرير، وهو ما لجأ اليه ابن علي في تونس وان بصورة اقل ضراوة، وكانت النتيجة تدخل الجيشين التونسي والمصري لحماية الثورتين والتصدي لبلطجية النظامين.
المأساة التي تنزف دما على ارض الشام، هي ابلغ تجسيد لفشل الحلول العسكرية، وعلى رفض النظام احترام ارادة الشعب، وحقه في التظاهر سلميا، وحقه في المطالبة بالتغيير وبالحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة احتكاما لصناديق الاقتراع.
النظام في دمشق ركب رأسه ولم يستفد من الدرس الليبي والذي لا يزال حارا وساخنا، وعمل على الالتفاف على كافة المبادرات السلمية لحل المسألة السورية، واخراج القطر الشقيق من المأزق الذي وصل اليه، ويوشك ان يجر البلاد والعباد الى حرب اهلية، من شأنها ان تفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الاجنبية، وهذا ما حدث بالفعل، فها هي الحرب الاهلية يشتعل اوارها، والمجازر تقترف، وتفتح كل الابواب للتدخل الخارجي لانقاذ الشعب السوري من حرب الابادة التي يتعرض لها على يد النظام.
ومن هنا فالحقيقة الاخرى التي اكد عليها الربيع السوري، هي فشل الاساليب القديمة في الحكم والسيطرة وقمع الشعوب والتي لم تعد صالحة، وفقدت فاعليتها، بعد ان قررت الشعوب الخروج من القمقم، وقادتها عبقريتها الى التظاهر سلميا والاصرار على هذا النهج، وهو ما اسقط كل حجج وذرائع الانظمة، وادى الى كسب احترام العالم، واشادته بهذا الاسلوب الحضاري في التظاهر، الذي كرسه شباب الربيع العربي، واسفر عن سقوط الطغاة في تونس ومصر وليبيا واليمن، وها هي سوريا على الطريق.
مجمل القول: ما يحدث في سوريا، وقبلها في ليبيا واليمن ومصر وتونس هو بمثابة درس بليغ لكافة الانظمة بضرورة الاقلاع تماما عن نهج الحلول الامنية، والاحتكام الى القوة العسكرية، وضرورة احترام ارادة الشعوب وخياراتها وحقها في التغيير والاصلاح، وحقها في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة احتكاما لصناديق الاقتراع، واقامة الدولة المدنية الحديثة، فارادة الشعوب هي دائما المنتصرة والطغاة حتما الى زوال.