هل يمكن القول إن المصير المحتوم بل والمرسوم لسوريا هو دفعها إلى أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، وما مجزرة الحولة التي راح ضحيتها العشرات بينهم حوالي اثنين وثلاثين طفلًا سوى أحد فتايل الإشعال المعدة لهذه الحرب؟

إن هذه المجزرة البشعة التي ندينها بأقوى عبارات الإدانة وأقوى كلمات الاستنكار، تعتبر وصمة عار وتنم عن مدى الوحشية في النفس الإنسانية حين تتجرد من كافة المشاعر والأخلاق، وتتجرد من المبادئ والقيم والضمير الحي، وبالتالي فلا قوانين تردعها ولا عهود ومواثيق تكبحها.. وإزاء هذه المجزرة الوحشية أدان بشدة مجلس الشورى ـ في بيان له أمس ـ الأيدي الآثمة المتسببة في أحداث المجزرة، داعيًا جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي وجميع الشرفاء والأحرار في العالم إلى سرعة التحرك لاتخاذ الإجراءات العملية الكفيلة بإيقاف المذابح ونزيف الدماء البريئة في سوريا الحبيبة.

إن هذه المجزرة وبغض النظر عن مرتكبها، وعلى الرغم من جميع الإدانات وأيضًا إدانة الحكومة السورية التي أعلنت بدورها فتح تحقيق في معرفة الطرف المتسبب الحقيقي فيها، تعد نتيجة طبيعية في ظل عمليات التحريض والتأليب والقفز على الحلول السياسية إلى الحلول العسكرية والمطالبة بالتدخل العسكري الأجنبي المباشر على غرار السيناريو الليبي، الذي لم تنفك الأطراف المحرضة والممسكة والمتحكمة في مواقف قيادات المعارضة السورية والداعمة لها منذ نشوب الأزمة وإلى الآن، تدعو له وتطالب به، وبتشجيع وتحريض من أطراف عربية ودولية، التي أصبحت تطور أساليب التحريض والتأليب ليس فقط بعدم القبول بالحوار مع الحكومة السورية، بل بعدم القبول الحرفي الصادق والرصين لخطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة جامعة الدول العربية إلى سوريا، حيث كانت عمليات تهريب شحنات الأسلحة مكشوفة ومُقرًّا بها، كما هو حال سفينة الأسلحة القادمة من ليبيا والتي تم ضبطها في لبنان من قبل السلطات اللبنانية ـ كمثال وليس حصرا ـ وإقرار الولايات المتحدة رسميًّا بقيامها بعمليات تسهيل وصول السلاح إلى المعارضة السورية المسلحة واعترافها بقيام دول خليجية بدفع ثمن الأسلحة المهربة إلى المعارضة السورية المسلحة.

 ما أدى بدوره إلى وصول أسلحة ثقيلة وذات فعالية وكفاءة عالية في الأداء بيد المعارضة السورية توازي ما بيد الجيش السوري، هذا بدوره شوَّش على الصورة وخلط أوراق الأزمة وعقدها، وهو أمر مقصود ومدروس بعناية، ولذلك من الصعب التكهن بمن مرتكب مجزرة الحولة قبل معرفة نتائج التحقيق، لأن قيام المعارضة السورية المسلحة بما عندها من أسلحة بفضل عمليات التهريب والتسليح غير القانونية واستهدافها القوات السورية والمنشآت العسكرية والمدنية وترويع المدنيين الآمنين، واضطرار الطرف الآخر إلى استخدام القوة لحماية نفسه والآخرين المروَّعين، من الممكن أن يسقط ضحايا، وإن كانت مجزرة الحولة تثير العديد من الأسئلة بالنظر إلى العدد وطريقة الإعدام والمكان نفسه.

إلا أن ما يهمنا هو أن يلقى من يقف وراء هذه المجزرة أو المحرض لارتكابها عقابه هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لو كانت النيات صادقة وخالصة تجاه سوريا وحل الأزمة فيها لاختلفت المعطيات على الأرض وطبيعة التعاطي والتصريحات الصادرة من المعارضة السورية ومن الأطراف الداعمة لها أولًا، وثانيًا لتكرست الجهود نحو الحل السياسي فعلًا وعلى الأرض وتم الابتعاد عن التحريض والتأليب، وعدم الإصرار على أحد الشرين؛ التدخل العسكري الأجنبي المباشر أو التسليح.

ولذلك نقول إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية ورغبة صادقة في تجنيب سوريا نزيف الدماء، فإن مجزرة الحولة لن تكون الأخيرة, وهذا مالا نرجوه ولا نتمناه ولا يرجوه ولايتمناه معنا كل حريص حقا على الدم السوري العزيز على قلب كل عربي غيور على أمته.