أصبح الحديث عن حل الدولتين في ظل التوسع الاستيطاني والممارسات الاحتلالية الاسرائيلية الأخري نوعا من الكلام السرابي الخيالي، البعيد كل البعد عن الواقع. وهذه حقيقة مؤكدة يعترف بها الجانبان بطريقة أو بأخرى، كما أن الأسرة الدولية لم تعد مقتنعة بجدية هذا الحل.

وبعد تقطيع أوصال الضفة بالمستوطنات في كل جوانبها، فإن شهادة وفاة هذا الحل لم تصدر بعد، وليست هناك جهة أو طرف لديه الاستعداد لتوقيع هذه الشهادة.

فالجانب الفلسطيني الذي أظهر مرونة تتجاوز الحدود، وشارك في كل المفاوضات وأبدى استعدادا لإعادة التفاوض بعد لقاءات عمان في كانون الثاني الماضي، لا يريد لعملية السلام التفاوضية أن تنهار بالكامل، فالظروف قد تتغير، والضغوط الدولية على حكومة بنيامين نتنياهو الاسرائيلية اليمينية ربما تحقق بعض أهدافها.

والجانب الاسرائيلي يريد أن تبقى يافطة المفاوضات معلقة أمام أنظار الرأي العام العالمي، كنوع من التضليل والإيهام بأن عملية السلام كواجهة وكمظهر ما تزال موجودة. ولا تريد اسرائيل نتنياهو أن تكون المبادرة إلى غلق الباب نهائيا أمام الشكل البروتوكولي التفاوضي، حتى وإن أفرغت هذا الشكل من كل معنى وكل مضمون. لأنها تعرف أن مثل هذا العمل سيحملها المسؤولية السياسية والأخلاقية عن انهيار عملية السلام بشكل رسمي، بعد أن كانت المسؤولية ضمنية حتى الآن.

لقد قبل الفلسطينيون حل الدولتين مع كل ما فيه من تضحيات مؤلمة، لكن الجانب الاسرائيلي يكشف كل يوم عن أهدافه الحقيقية في الاستيلاء على كافة الأراضي الفلسطينية. وهو في الأساس لا يعترف بأي حقوق وطنية لفلسطينيين في أرض بلادهم، بل يعتبر هذه الأراضي "أرض اسرائيل التوراتية" التي لا شريك لليهود فيها. وهذه هي المعضلة الرئيسية أمام عملية السلام، وفي طريق أي تسوية يطرحها المجتمع الدولي للصراع العربي- الاسرائيلي.

أما القوى العظمى المشغولة بأزماتها من اقتصادية وسياسية، فيبدو واضحا أنها لا تكترث بمعاناة الشعب الفلسطيني، رغم إدراكها أن اسرائيل هي التي تعرقل السلام، وتقتل من خلال الاستيطان كل أمل بتحقيق حل الدولتين.

والمحزن في الأمر أن القوى الدولية واللجنة الرباعية التي يفترض أنها راعية عملية السلام، والمحفزة لحل الدولتين ، تخضع للمواقف الاسرائيلية وتبدو عاجزة تماما عن الضغط على اسرائيل، وتفتقر إلى الآليات الكفيلة بتحقيق الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى بعد مرور ٤٥ عاما على هذا الاحتلال المزمن.

لكن التاريخ لا يثبت على حال ولا يرجع إلى الوراء. والحقيقة، التي يتعين على كل من ينكر الحقوق الوطنية الفلسطينية العادلة في الاستقلال والحرية أن يستوعبها، هي أن الفلسطينيين لن يتنازلوا مطلقا عن هذه الحقوق.

والمتغيرات في المنطقة تشير إلى هذا التغير في مسار التاريخ، وهو تغير من المفروض أن تستبقه اسرائيل والعالم بالمسارعة في التوصل إلى السلام العادل، المقبول على الفلسطينيين والعرب والعالم، وفي أقرب الآجال.