تجاهد الدول اليوم في كيفية استغلال مواردها الاستغلال الأمثل وتوظيف مواردها البشرية التوظيف المثمر والفعال، واختزال عامل الزمن، حيث ترى أن من بين التحديات التي تواجهها إنجاز الكثير من الأعمال في أقصر وقت، وبأفضل الطرق، وليس إنجاز القليل منها في أطول وقت، وبأسوأ ما يكون، وللتغلب على هذا التحدي جاء التخطيط على رأس الأولويات باعتباره الملاذ الآمن الذي سوف يزيل كافة التحديات وجميع المعوقات، فأخذت حكومات الدول تسابق الزمن من أجل وضع الخطط الاستراتيجية للحاضر والمستقبل والتنبؤ به، حيث نظرت إليها على أنها بمثابة إشارات مرور متى تسمح بالتوقف، ومتى تسمح بالانتظار والتأني والدراسة والبحث والتحليل وتوفير الموارد والمخصصات وإعداد الجدوى الاقتصادية من المشاريع الاستثمارية والخدمية، ومتى يمكن الانطلاق نحو عمليات التنفيذ، ولضمان الجدوى من التخطيط ذهب الكثير من الحكومات إلى إنشاء وزارات خاصة بالتخطيط تضم بين جنباتها من لهم باع طويل وخبرة كبيرة في عمليات التخطيط والقدرة على التنبؤ بالمستقبل وكيفية التغلب على التحديات وتوقع ما قد ينشأ من مخاطر مستقبلًا أو تناقضات واشكالات.

ولما كانت إدارة الموارد المادية والبشرية والخطط الاستثمارية والاقتصادية في نمو مطرد وتزايد مستمر، مما يؤدي بالتالي إلى بروز معوقات وتحديات، جاء أمس المرسوم السلطاني رقم (30/2012) بإنشاء المجلس الأعلى للتخطيط وإصدار نظامه، حيث نص المرسوم في مادته الثانية على أن يكون للمجلس أمانة عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري ويكون مقرها محافظة مسقط، وفي مادته الثالثة على أن تؤول إلى الأمانة من وزارة الاقتصاد الوطني "الملغاة" جميع المخصصات والموجودات الخاصة بالمديريات العامة للتخطيط التنموي وتنمية القطاعات الخدمية وتنمية القطاعات الإنتاجية، والعلاقات الاقتصادية والشؤون الاقتصادية وشؤون القطاع الخاص، والتقسيمات الإدارية التابعة لوكيلي وزارة الاقتصاد الوطني للشؤون الاقتصادية وشؤون التنمية، كما ينقل إليها بذات درجاتهم المالية جميع موظفي المديريات المذكورة.

ولا ريب إذا ما أردنا تجاوز كل ما يعترضنا وتدارك ما كان للحاق بركب المجتمعات المتقدمة لابد أن يلازم النجاح عملية التخطيط التي تحتاج إلى توفر الإمكانات المادية والبشرية وترتيب الأولويات، وتحديد الأهداف بوضوح والواقعية والشمول، والتنبؤ بالمستقبل والمرونة والمتابعة المستمرة والتقييم الرصين، وغيرها من الأمور التي يجب أن تصاحب عملية التخطيط فضلًا عن ضرورة وجود قاعدة بيانات.

ولذلك فمن المؤكد أن هذا المجلس الجديد سوف يكون رافعة للعمل المؤسسي والإداري والاقتصادي والاستثماري والمادي والبشري، حيث ستقع على عاتقه بناء الخطط التنموية الاستراتيجية بمختلف مدياتها الطويلة والمتوسطة والقصيرة، والمشاركة الفاعلة في إعداد الخطط الخمسية للدولة وإبداء الآراء وتقديم المقترحات البناءة التي نتوقع أن يلتزم بها مع الأخذ في الاعتبار تحديات الحاضر والمستقبل ومعالجة أخطاء الماضي، خاصة وأن هناك أخطاء لا أحد يمكنه انكارها، سواء على صعيد الإنشاءات أو عمليات الاستثمار أو التوظيف أو التخصصات العلمية التي تناسب سوق العمل، ولعل ما تضخه كل سنة دراسية من مخرجات بات أكبر تحدٍّ من بين بقية التحديات، ولذلك ينتظر من المجلس أن يعمد إلى رفد الحكومة بالخطط والتصورات التي تساعدها على اتخاذ التدابير المعتمدة والموجهة بالقرارات مقرونة بالإجراءات العلمية الصحيحة، واقتراح الحلول والمعالجات السليمة، ووضع البدائل بما يسمح باستغلال سليم ومجدٍ للموارد البشرية والمالية وصولًا إلى التغيير المنشود والتصحيح والتعديل المطلوب.

ومن هنا يعتبر إنشاء المجلس الأعلى للتخطيط خطوة كبيرة في اتجاه ترسيخ دعائم دولة المؤسسات القائمة على مبدأ التخطيط الصحيح، لكن نجاح عمل ومهام هذا المجلس مشروط بتوافر الكوادر الوطنية المؤهلة والخبيرة القادرة على التوقع وبناء القدرات وإدارة الوقت بما يؤدي فعلا لأن يكون المجلس كما أراد له قائد مسيرة النهضة المباركة رافعة صلبة للعمل المؤسسي المنظم.