حقائق ومعطيات مهمة أكد عليها الربيع العربي منذ أن خفقت رياحه المباركة في تونس الخضراء، الى أن وصلت الى كافة الاقطار العربية ولا تزال، بأن لا بديل أمام الانظمة العربية الا التسليم لخيار الشعوب في الحرية والكرامة والديمقراطية، وتداول السلطة، ولا سبيل الى تحقيق هذه الاهداف النبيلة، الا باعتماد نهج الحوار البناء الهادف، وصولاً الى الوفاق الوطني، واقامة الدولة المدنية الحديثة.

استعراض مسيرة الثورات العربية تضعنا أمام الحقيقة الأهم، وهي فشل الاحتكام الى القوة العسكرية والحلول الأمنية التي لجأت اليها بعض الانظمة وخاصة في ليبيا وسوريا، وخطورة تداعيات هذا الفشل والذي أدى الى حرب اهلية فتحت الباب على مصراعيه “للناتو” للتدخل في الشأن الليبي، وعودة الاستعمار من الشباك وقد خرج من الباب للاستيلاء على النفط الليبي ومقدرات الشعب الشقيق، وها هو يؤجج حرباً اهلية مدمرة في الشام.. ويمهد لتدخل دولي واقليمي من شأنه ان يدخل القطر الشقيق في متاهة قاتلة، قد تسفر عن تقسيمه الى دويلات، وكيانات متناحرة، ومن المتوقع ان تمتد نارها الى دول الجوار، وهذا بالفعل ما حدث مؤخرا في لبنان، وقد وصل لهيب الطائفية الى طرابلس.

كنا نعتقد ان الانظمة في ليبيا واليمن وسوريا وغيرها قادرة على الاستفادة من تجربة الربيع في تونس ومصر، وانها بالتأكيد قد لمست رفض الشعبين التونسي والمصري العودة الى الوراء، وفشل اساليب النظامين في الاستعانة بالبلطجية والخارجين على القانون، بعد ان رفضت القوات المسلحة في كلا البلدين التصدي للمظاهرات السلمية، ووقفت على الحياد، وأخيرا اعلنت حمايتها لهاتين الثورتين المجيدتين، ما ادى الى هروب ابن علي واعلان مبارك التنحي.

هذه المعطيات كفيلة بدفع النظامين الى الانحياز لخيارات الشعبين، واحترامه لارادتهما، وحقهما المقدس في التغيير والاصلاح والديمقراطية وتداول السلطة، ولكن ما حدث، وان لم يكن مفاجئاً ان بعض الانظمة لا تزال ترفض الاعتراف بحق الشعوب في الحرية والديمقراطية وبحقها في المشاركة وتداول السلطة، ما ادى ويؤدي الى سقوط آلاف الضحايا، ودخول الثورات الى مرحلة الاستعصاء.

في هذا الصدد، لا بد ان نشير الى الحقيقة الاخرى التي أكد عليها الربيع العربي، وهو نهج الحوار، وضرورة الاخذ به وصولاً الى الوفاق الوطني، ففي حين حاولت بعض الانظمة الالتفاف على هذا الاسلوب، واتخاذه وسيلة كحصان طروادة لضرب الثورات، نجد ان الاردن وبقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني استطاع ومن خلال الاعتماد على الحوار، ان يجنب البلاد والعباد الكثير من المزالق والمتاعب، وان يؤسس لوفاق وطني تجسد في تعديلات دستورية مهمة أدت الى انبثاق الهيئة المشرفة على الانتخابات، والمحكمة الدستورية.. وها هي مسيرة الاصلاح السياسي توشك ان تحقق اهدافها باجراء الانتخابات قبل نهاية العام الحالي وصولا الى تداول السلطة.

مجمل القول : لا بديل أمام الانظمة الا التسليم بحق الشعوب في الحرية والكرامة والديمقراطية والانتخابات النزيهة، وصولاً الى تداول السلطة، احتكاماً لصناديق الاقتراع، بعد فشل الاحتكام للقوة المسلحة وفتح الباب على مصراعيه للحرب الاهلية والتدخلات الاجنبية، كما حدث في ليبيا وسوريا.. انها لحظة الحقيقة التاريخية التي يؤكد عليها الربيع العربي، ويدعو الانظمة الى التقاطها قبل فوات الأوان.