كلما داويت جرحاً سال جرحٌ، هذه هي حال الوضع اللبناني، أو كالثوب المهلهل والممزق، كلما أصلحت قطعةً منه تمزَّق من مكان آخر:

تشتعل في طرابلس، وحين تبدأ المعالجات لإطفائها تشتعل في عكار، وحين تبدأ المعالجات في عكار تشتعل في بيروت، وما إنْ تهدأ في العاصمة حتى تشتعل في الضاحية الجنوبية لبيروت، وحتى كتابة هذه السطور لا يُعرَف ما إذا كانت التحضيرات جارية لأن تشتعل في البقاع أو الجنوب أو الجبل.

ربما هي الفتنة المتنقلة، ربما الحروب الصغيرة في غياب القرار أو القدرة على خوض الحرب الكبيرة، ربما هي الأخطاء الصغيرة التي تتراكم فتؤدي إلى الخطأ الكبير على غرار ما حصل في نيسان من العام 1975، فبدأت بحادثة وانتهت بحرب ما زالت ارتداداتها مستمرةً حتى اليوم. أليس غريباً أن تمتد الحرب اللبنانية لسنوات تفوق عدد سنوات الحربين العالميتين مجتمعتين؟

من بين هذه الحروب الصغيرة لاح بصيص تفاؤل، فبعض القيادات اللبنانية، وفي خطوة جريئة منها ولكن غير مستغربة، أعادت الحرارة إلى الخطوط الباردة والمجمدة، ويأتي في هذا الإطار الاتصال الهاتفي الذي أجراه زعيم المستقبل الرئيس سعد الحريري برئيس مجلس النواب نبيه بري، إستنكاراً لعملية الخطف في سوريا والتي استهدفت حجاجاً لبنانيين عائدين من العتبات المقدَّسة في إيران، هذه الخطوة دلَّت أن بعض القيادات اللبنانية تُغلِّب الحس الوطني على ما عداه في الملمات، ويبقى أن يكون الالتقاء في منتصف الطريق سعياً للوصول إلى قواسم مشتركة لوقف الانزلاق نحو الهاوية التي يراها الجميع أمامهم.

في أقل من أسبوعين، انتقل البلد من مرحلة الاستقرار الهش إلى مرحلة الحروب المتنقلة، هذا الوضع المتدهور نجم عن أداء حكومي كارثي، فالجميع يتذكَّر أنه قبل اندلاع الحروب الصغيرة، كانت الحكومة عملياً تترنَّح بين تصريف الأعمال والموت السريري باستثناء بعض الوزراء الذين لم ييأسوا من إعطاء دفع سياسي وجرعات معنوية للحكومة ولو على حساب رصيدهم السياسي، ويأتي في طليعة هؤلاء وزير المال محمد الصفدي الذي حاولت التطورات الأمنية النيل من سمعته بتوقيف شادي المولوي في أحد مكاتبه للخدمات الاجتماعية في طرابلس، فجاء إطلاقه وتوجهه إلى المكتب ذاته الذي أوقف فيه كردٍّ معنوي من الوزير الصفدي على كل المشككين به، وربما هذا ما جعل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ينتقل إلى طرابلس ليستقبل المولوي في منزله سعياً لاستعادة ما فقده من الشارع الطرابلسي.

ولكن هذه الحسابات الانتخابية لرئيس الحكومة أين تقع في خدمة مصلحة البلد؟


خدمة مصلحة البلد وجهة نظر وليس في السراي من يتلفَّت اليها.