ليس من المبالغة في شيء القول إن جولة المحادثات النووية، التي بدأت أمس في العاصمة العراقية بغداد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين الدول الست الكبرى (مجموعة 5+1) هي من أهم الجولات التي جرت بين الجانبين، وتزداد أهميتها في الواقع، في ظل ما يعلق عليها من أمل في إمكان أن تتمخض عن اتفاق، أو على الأقل تقارب كبير في المواقف بين الطرفين يمهد للاتفاق بينهما، ومن ثم بناء الثقة المتبادلة، والتي لا غنى عنها من اجل أن يصل التعاون بين الطرفين إلى نتائج إيجابية لهما، وللعالم أيضا من حولهما.

وإذا كان جانب غير قليل من المشكلة المرتبطة بالملف النووي الإيراني يعود إلى افتقاد الثقة في التعامل بين إيران والدول الست الكبرى، أو معظمها على الأقل، وبالتالي وجود العديد من الشكوك على كلا الجانبين، فإن التعامل بقدر اكبر من الشفافية والمصداقية، فضلا عن الوضوح والصراحة من شأنه الإسهام في تقريب المواقف بين الجانبين. ولعل ما يزيد الأمل في إمكان أن تتمخض جولة بغداد التي بدأت امس عن نتيجة افضل هو نقطتين أساسيتين، أولهما أن الجولة السابقة من المحادثات التي عقدت في اسطنبول في النصف الأول من الشهر الماضي انتهت بشعور من الإيجابية والارتياح من جانب مختلف الأطراف، وكان ذلك في حد ذاته احد العوامل التي ساعدت على الاتفاق على عقد الجولة الحالية في بغداد.

أما النقطة الثانية فإنها تتمثل في أن المحادثات التي أجراها «يوكيا امانو» المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في طهران يوم الاثنين والثلاثاء الماضيين كانت إيجابية، وفقا لما صرح به امانو نفسه، حيث أشار إلى انه سيتم إبرام اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتسوية عدد من الأمور المتصلة ببرنامج إيران النووي. ومن الطبيعي أن توقيت هذه التصريحات المشجعة ينعكس إيجابيا على مفاوضات بغداد التي تحظى باهتمام ومتابعة كل الأطراف المعنية بها، وبالبرنامج النووي الإيراني.

وبغض النظر عن بعض المؤشرات التي يمكن تصنيفها على أنها تدخل في إطار محاولة كل طرف تعزيز موقفه وإرسال رسائل للأطراف الأخرى، ونعني بذلك فرض عقوبات أخرى على إيران من جانب الكونجرس الأمريكي من ناحية، وإعلان طهران نجاحها في صنع وقود نووي لمفاعل طهران من ناحية ثانية، وذلك على سبيل المثال، فإن الجميع دون استثناء يدرك أهمية جولة محادثات بغداد، وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج إيجابية إذا نجحت الأطراف المشاركة فيها في الوصول إلى نقاط التقاء ذات قيمة بالنسبة لها وللأهداف التي تريد الوصول إليها.

 وانطلاقا من هذه النقطة تحديدا، فإنه ليس من المصادفة على أي نحو، أن تنزعج إسرائيل من أي احتمال لنجاح محادثات بغداد، ولذا فإنها عمدت إلى التشكيك، وبسبل عديدة في مواقف ونوايا إيران وحرصت كذلك على تحريض الدول الغربية ضدها وهي مواقف ومحاولات مفهومة الأهداف والمرامي، ومعروف أن كل الأطراف المشاركة في محادثات بغداد تدرك ما تريده إسرائيل، ولذا فإن ما ستسفر عنه محادثات بغداد سيكون مرتبطا بما طرح على مائدة المفاوضات، وبمدى قدرة الأطراف المختلفة على تجاوز فجوة الثقة، أو على الأقل الرغبة في ذلك والسير نحو تجاوزها عمليا