اعتبارًا من اليوم الأربعاء وغد الخميس تنطلق أول انتخابات رئاسية في الشقيقة الكبرى مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير التي أطاحت بنظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك.
وتعتبر هذه الانتخابات أول انتخابات تعددية حرة تجرى في مصر، تتاح للشعب المصري فيها حرية المشاركة وفق رغبته ومنظوره، واختيار أي من المترشحين المتنافسين حسب برنامجه الانتخابي الذي يراه المواطن المصري ملبيًا لرغباته وطموحاته، بأمل أن يعوضه عن سنوات عجاف بلغت أكثر من ثلاثين سنة لم يذق خلالها المصريون سوى الفقر والقهر والذل والظلم والإذلال والاستعباد، وزكم خلالها الفساد أنوفهم، سنوات تم فيها تقزيم مصر وتحجيم دورها وكأنها دويلة لا تتجاوز مساحتها مئتي متر مربع، وسكانها لا يتجاوزون بضعة آلاف، فغدت مسلوبة الإرادة والقرار وحُولت بفعل فاعل وعن سبق إصرار وترصد إلى إحدى دول الموز تابعة لصانع القرار الأميركي والإسرائيلي.
ولذلك يتطلع الشعب المصري إلى أن يكون صوته الانتخابي الحر والشفاف تحولًا حقيقيًّا في تاريخ مصر يعيد إليها ما سلب منها، ويعيد إليها ألقها ودورها التاريخي والحضاري، صانعة للقرار ومؤثرة في كافة المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة.
ولا ريب أن هذا التطلع يقاسمه إياه المواطن العربي الذي ما انفك يتابع سير الأحداث داخل الشقيقة الكبرى، متطلعًا إلى أن تكون هذه الانتخابات فاصلًا وسدًّا منيعًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأن تمثل نقلة نوعية في التاريخ الديمقراطي المصري الحر تسمح لأُم الدنيا أن تعود من جديد كما كانت صانعة للتاريخ والحضارة، قائدة وحاضنة لشقيقاتها، ومغيِّرة لمسار الأحداث ومؤثرة فيها، ومدافعة عن قضايا الأمة العربية لا سيما القضية الفلسطينية.
اليوم تشرئب الوجوه العربية نحو الانتخابات المصرية، آملة أن تكون هذه الانتخابات وما يسفر عنها من نتائج تعبر عن إرادة شعبية مصرية حرة وشفافة ومسؤولة، وتدلل على وجود رغبة حقيقية في تغيير جلد التبعية والفساد والظلم والاستبداد والقهر، ووضع مكانه جلد العدالة الاجتماعية والمساواة والقومية العربية والانحياز للقضايا العربية ونصرتها، وأن تبقى مصر الحضن الدافئ والملاذ الآمن، أبوابها ونوافذها مشرعة لشقيقاتها تستمد منها هواء الحرية، ولذلك نأمل أن لا يجد المزوِّرون ومشترو الأصوات والذمم الأبواب مشرعة في طريقهم، فهذا أسلوب غير وطني وغير حضاري، ويبقي مصر على عهدها القديم، وهو وضع سوف ترتد آثاره وبالًا ونارًا يتلظى بها الشعب المصري الذي يُمنِّي النفس بأن تنتشل حاله من براثن الفقر والظلم والفساد.
الكل يعلم أن الرئيس المنتخب سيرث تركة ثقيلة خاصة في ظل التجاذبات والعديد من التناقضات التي يشهدها الداخل المصري، فهناك قضايا منها ما يتعلق بالسياسة الخارجية وخاصة العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وملفها النووي، ومنها ما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي ومعاهدة كامب ديفيد، ومنها ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، إضافة الى معضلات الداخل، إلخ....؛ بمعنى آخر أن الرئيس القادم تنتظره ملفات شائكة تتطلب منه المواءمة بين الداخل والخارج، والحكمة في التصرف واتخاذ القرار.
إن مصر بحاجة ماسة اليوم إلى أن تتطهر من أدران ثلاثين سنة مضت، فقد ران على مفاصلها الفساد والظلم والاستبداد، وجعل منها النظام السابق مصنعًا لفيروسات الشلل والخنوع والفساد والظلم والدكتاتورية، ناشرًا هذه الفيروسات في جميع أجزاء الجسد العربي.