ليس من المبالغة في شيء القول بأن منطقة الخليج بوجه خاص، والمنطقة العربية بوجه عام، تشهد في هذه الفترة تطورات بالغة الدقة والتأثير على حاضر ومستقبل المنطقة، بكل دولها وشعوبها أيضا، ودون استثناء تقريبا. وهو ما يعود إلى طبيعة هذه التطورات وتأثيراتها العابرة للحدود من ناحية، وإلى ازدياد عمليات التأثير والتأثر بين دول المنطقة، بل وبين مختلف دول العالم، بفضل التطورات الهائلة في مجال الاتصال والتقنية المعلوماتية من ناحية ثانية.

وإذا كانت منطقة الخليج قد تمتعت دوما، ولا تزال تتمتع، بأهمية استراتيجية، ونفطية، واقتصادية وتجارية بالغة، وإلى حد اجتذبت فيه المنطقة اهتمام ومصالح وتنافس العديد من القوى الدولية في مختلف المراحل، فإن حاضر المنطقة يشهد تفاعلات، ومواقف، و تصريحات وتلميحات، من شأنها أن تثير الدهشة والقلق والترقب، لما انطوت وتنطوي عليه من رؤى وعبارات ظن الكثيرون من أبناء المنطقة، خليجيا وعربيا وإقليميا، أيضا أنه تم تجاوزها منذ سنوات، وأن خبرة السنوات الماضية لا يمكن إلا أن تدفع نحو تجاوزها والارتفاع عليها بكل السبل الممكنة.

ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى حقيقة بالغة الأهمية وهي أنه برغم كل ما شهدته هذه المنطقة الحيوية من توترات وحروب ومواجهات مسلحة استمرت سنوات عدة أحيانا، وبرغم كل ما شهدته أيضا من محاولات عديدة ومتنوعة للتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك من دولها، أو العودة إلى ادعاءات حسمت تاريخيا وقانونيا وسياسيا، في أحيان أخرى، إلا أن دول المنطقة وشعوبها التقت عند مبادئ اتفقت عليها جميعها منذ سنوات عديدة وفي مقدمتها، حسن الجوار ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالتعاون والحوار الإيجابي البناء، بعيدا عن التلويح بالقوة أو باللجوء إليها لحل أية خلافات أو منازعات، واحترام الدول الأخرى وخياراتها السياسية وما تراه مناسبا لبناء حاضرها ومستقبلها.

وإذا كان الالتزام بهذه المبادئ، ومراعاتها في علاقات دول المنطقة مع بعضها البعض على امتداد السنوات الماضية قد أسهم في النجاح في احتواء التوترات، والتغلب على محاولات التصعيد والاستقطاب، أو محاولات إثارة الصعوبات أو المشكلات بالنسبة لهذه الدولة أو تلك من دول المنطقة، فإن الارتباط الشديد لدول وشعوب هذه المنطقة، بما فيها دول الخليج العربية والجمهورية اليمنية والعراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية، يفرض الآن وربما أكثر من أوقات كثيرة مضت، ضرورة الالتزام بالمبادئ التى أثبتت قيمتها وفائدتها لكل دول المنطقة، والتي تمت تجربتها في مختلف الظروف وأثبتت نجاحها وفائدتها في احتواء أية توترات، وتجنب أي تصعيد، وتجاوز أية اندفاعات، أو حماسة غير محسوبة لأشخاص بعيدين عن دوائر المسؤولية على هذا الجانب أو ذاك، ليس فقط لان دول المنطقة ليست في حاجة إلى مشكلات جديدة، ولكن أيضا لأنها جميعها وشعوبها تدرك جيدا أن الحفاظ على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية تحت أي ظرف، أو بأي مبرر، هو السبيل للحفاظ على علاقات طيبة ومفيدة تتطلع إليها كل دول وشعوب المنطقة الآن وفي المستقبل