تعاملت المملكة بمنتهى الشفافية والوضوح، مع ملف انتقال الدول الخليجية من مرحلة التعاون إلى الاتحاد، إذ وجدت نفسها أمام مسؤولية ألا يخرج للنور إلا بعد دراسة وافية وشاملة، وألا يكون إعلانه إعلانا منقوصا، سواء من حيث نضج المشروع، أم من حيث انتظام العقد الخليجي كله فيه، وظهر ذلك جليا في تأكيدات وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، حينما قال في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد القمة التشاورية الخليجية: إن مشروع الاتحاد طرح ليكون شموليا وليس ليختص بدولة أو اثنتين، وهي الصيغة الاتحادية التي كان يُروج لها قبل أيام قليلة من قمة الأمس.

كان يمكن للمملكة أن تعلن اتحادا جزئيا وأن تترك المجال للدول المترددة كي تلحق بالمشروع، وهو إجراء اعتاد الخليجيون عليه في إطار عملهم المشترك، ومن أمثلة ذلك: الاتحاد النقدي، والتنقل بالهوية الوطنية بين دول المجلس، غير أن هذا الملف تحديدا لا يمكن أن يحقق هدفه الأسمى دون أن يكون شاملا لكل الدول الخليجية، وفقا لرؤية المملكة المتماهية مع رؤية القادة الخليجيين، وجاء القرار بإرجاء المشروع لإخضاعه لمناقشات تفصيلية أوسع وعرضه على قمة استثنائية تعقد لهذا الغرض.

وليس خفيا القول بأن الخطر الإيراني المحدق بمجلس التعاون واستمرار تهديدات طهران لدوله، من أهم الأسباب المحفزة للانتقال إلى تكتل يقف في وجه أطماع المحيطين.

الغرابة تكمن في أن المعارضة التي أبدتها إيران على مشروع الاتحاد الخليجي، مستمرة، من خلال مساعيها الرامية للتدخل في شؤون الدول الخليجية، وهو ما قوبل برفض شديد من الأمير سعود الفيصل، فيما قد لا يكون مستبعدا وجود نوايا وتحركات إيرانية تسعى لضرب مشروع الاتحاد الخليجي ومحاولة عرقلته بشتى الوسائل.

وكما أن لطهران تحالفاتها فلدول الخليج تحالفاتها أيضا، فالخليجيون احترموا الرغبة الإيرانية في التحالف مع سورية والعراق، رغم أن شكل التحالف غير منطقي فلا عروبة تجمعهم ولا عادات وتقاليد، خلافا للحالة الخليجية التي لا يكاد يكون بينهم اختلافات تذكر.

ما حدث في الرياض أمس، كان دليلا دامغا على حكمة الخليجيين، وحرصهم على مشروع الوحدة، لذلك جاء قرارهم واحدا في الحرص على ممارسة وحدوية فريدة من نوعها، إذ جعلوا من تباين وجهات نظرهم إزاء الاتحاد سبيلا لاستمرار التدارس حوله، لا إيقافه أو العدول عنه.