اليوم الخامس عشر من مايو، تحل الذكرى الرابعة والستون للنكبة والشعب الفلسطيني لا يزال يرزح تحت نير أبغض احتلال عرفه التاريخ، والقضية الفلسطينية؛ قضية العرب المركزية قد بلغت منها قذارة الاحتلال الإسرائيلي مبلغًا غير مسبوق في تاريخ هذه القضية التي أصبحت تتراكم عليها النكبات وتأتيها من كل حدب وصوب، في وقت يفترض فيه أن تكون فلسطين قد تخلصت من قذارة الاحتلال ودنسه ودناءته، وفي وقت يفترض فيه أن تظل ذكرى النكبة حية في الذاكرة العربية والإسلامية بوجه عام، وفي الذاكرة الفلسطينية بوجه خاص، تستحضر بصورة دائمة تلك المشاهد المؤلمة الثابتة في صفحات التاريخ والتي تسرد عمليات التهجير التي طالت الشعب الفلسطيني، فالفترة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 وحتى الآن وحدها شهدت عمليات تهجير عنصري طال حوالي واحد وثلاثين في المئة، وفق دراسات دولية. إن ما يبعث على الحزن والأسى أن هذه الذكرى تحل اليوم وقد غطت سياسات الاحتلال الإسرائيلي وسياسات ما يوصف بالمجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته الشرعية منها والحقوقية على كل منفذ من المنافذ الشرعية للقضية الفلسطينية.

 فقد ولغت في هذه القضية سياسات النفاق الدولي، ما يشي بأن كل شيء مبيَّتًا ومعدًّا له سلفًا، وما يجري هو عمليات تنفيذ ليس إلا، وما يزيد الحزن حزنًا والألم ألمًا أن المعنيين بإعادة هذه القضية إلى واجهة الأحداث وإعادة بريقها وتوهجها أصبحوا مثار ريبة وشك، ومبعث يأس وإحباط، قد ساهموا في إضعاف مراكز قوة القضية الفلسطينية عمدًا أو دون قصد، وكأن حال الجسد العربي في حالة موت سريري لا يشعر بوخزات الجرح النازف جراء الخنجر التي طعنت بها خاصرة الجسد والأمتين العربية والإسلامية، يوم أن غدر الإنجليز وعبثوا بالأرض العربية، ومن ثم سرقتها ليقوم اللص الذي لا يملكها بتسليمها لمن لا يستحقها؛ إنه اليوم الذي نُكِبَت فيه الأمتان العربية والإسلامية بسرقة فلسطين الأبية في الخامس عشر من مايو من عام 1948م، الذي احتل فيه الكيان الإسرائيلي الغاصب أراضي فلسطينية وطرد السكان قسرًا واستولى على ممتلكاتهم بعد ارتكاب العصابات الصهيونية مجازر مروعة راح ضحيتها عشرات الآلاف، في أول موجة تهجير وإبعاد أصبحت أكثر من فقدان للأرض، في محاولات محو شعب بأكمله، وتدمير مستقبله.

 وتشير بيانات موثقة نشرها "الإحصاء المركزي" الفلسطيني إلى أن المحتلين الإسرائيليين قد سيطروا خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة، حيث دمروا 531 قرية ومدينة فلسطينية، كما اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 70 مذبحة ومجزرة بحق الفلسطينيين وأدت إلى استشهاد ما يزيد عن 15 ألف فلسطيني خلال فترة النكبة، ليقام على أنقاض فلسطين التاريخ والحضارة والهوية العربية والإسلامية كيان محتل يتسلح بأعتى صنوف الأسلحة المحرم منها دوليًّا وغير المحرم، ويتمتع بدعم سياسي وعسكري واقتصادي مفتوح وغير محدود، جعله فوق القانون الدولي، تداس بالأحذية والنعال القوانين والتشريعات الدولية حين يتعلق الأمر بهذا الكيان الغاصب، وتخرس الأفواه التي تدعي أنها تنادي بصوت الحق وحقوق الإنسان، حين ينطق بنو صهيون وغلاة قادة هذا الكيان المحتل، وتتلعثم الألسن المنادية بإحقاق الحق ووضع موازين العدالة في موضعها، حين يتفوه الحماة والداعمون في الكونجرس الأميركي وبرلمانات أوروبا، وفي الأمم المتحدة التي يقال إنها ملاذ المظلومين والمسحوقين على وجه البسيطة، والتي ستواجه أصعب امتحان في سبتمبر القادم حين يتوجه الشعب الفلسطيني إلى قبتها مطالبًا بإقامة دولته المستقلة.

إن الخامس عشر من مايو كان علامة فارقة في تاريخ الشعوب وصورة مجسدة للمأساة العربية ـ الفلسطينية، وإلى اليوم لا تزال الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني تتعرض لمؤامرات مستمرة مصدرها هذا الكيان الإسرائيلي الغاصب لفكفكة المنطقة لصالحه، مؤيَّدًا بسياسات نهجها النفاق وبيع الوعود الجوفاء.

وتحل الذكرى الرابعة والستون على النكبة الفلسطينية هذا العام في ظروف جديدة، حيث تطغى على المشهد ما يسمى "ثورات الربيع العربي"، التي كان من المؤمل أن تكون قوة دفع إلى الأمام للقضية الفلسطينية، فإذا بها هي التي تحتاج إلى قوة دفع لانتشالها من مآزقها. إلا أنه مع ذلك يبقى الرهان على الشعب الفلسطيني صاحب الحق في ما عرف عنه من إرادة صلبة وعزيمة لا تلين في كسر كل القيود المفروضة على قضيته وعلى حريته نحو استرداد حقوقه.