إذا كان للمجالس البلدية دورها وللحكومة دورها فإنه بلا شك أن هذين الدورين يكملان بعضهما ويلتقيان في النهاية في مصب التنمية التي لا بد لها من شراكة حقيقية وفعلية بين كافة الأطراف داخل المجتمع، ولعل من مقومات نجاح هذه الشراكة هي الخطط المحلية الموضوعة وسلامتها وبُعْدُ النظر لدى صانع الخطط وواضعها في حجز المساحات الكافية لذوي الشراكة في تلمس الاحتياجات الفعلية، ووضع الإصبع على مواطن القوة والضعف ومواضع الخلل، فكما هو معروف أن التعاون بين كافة الأطراف المحلية والحكومة من أجل الحصول على الحقوق وتلبية المتطلبات هو من أرفع المستويات في الممارسة الديمقراطية ومن أرقى صور التعامل. وتعد المجالس البلدية إحدى الواجهات لهذا التعاون وهذه الشراكة القائمة.
ولما كانت مسألة التنمية تحتاج إلى خيارات بل وقرارات سياسية واجتماعية، فإن من الأهمية بمكان أن تهيأ الأرضية المناسبة لذلك من حيث صورة المؤسسة التي تتولى الشأن البلدي وتنمية المجتمع، ومن حيث أعضاؤها الذين يجب أن يكونوا على قدر كبير من الثقافة والفكر والمستوى العلمي والنضوج والقدرة على التوقع، خاصة وأن أي تنمية محلية خاضعة لشروط ومعايير خاصة ويدخل في ذلك الاستثمار الأفضل للموارد الطبيعية والبشرية والاجتماعية، وكيفية استخدام المؤسسات استخدامًا حسنًا، والأخذ في الاعتبار عند تنمية المجتمع الجدوى الاقتصادية والاجتماعية بحيث تساهم مساهمة فعالة في عملية الاستقرار الاجتماعي وتلبية حاجات المدن والقرى والأرياف.
وانطلاقًا للدور الريادي والكبير الذي يُتطلع إليه لتحقيق التكامل التنموي في البلاد، والاندماج المؤسسي وحسن التعاون والتنسيق بين كافة المؤسسات لا سيما المجالس البلدية الممثلة لمختلف شرائح المجتمع ومدنه وقراه وأريافه، فقد جاء المرسوم السلطاني رقم (116/2011م) بإصدار قانون المجالس البلدية ليؤطر الجهود البلدية لصالح التنمية في البلاد ويضعها في مجراها الصحيح ويعزز مفهوم الشراكة الشعبية، حيث تضمنت أحكام المادة (6) من القانون تحديد عدد المنتخبين؛ ممثلي كل ولاية في المجلس البلدي، واستكمالًا لذلك فقد أصدر معالي السيد وزير الداخلية بيانًا أمس لتحديد أعضاء المجلس وفقًا لعدد سكان كل ولاية، حيث نص البيان على أن الولايات التي لا يزيد عدد سكانها على ثلاثين ألف نسمة تمثل في المجلس البلدي بعضوين اثنين، والولايات التي يزيد عدد سكانها على ثلاثين ألف نسمة تمثل بأربعة أعضاء، والولايات التي يزيد عدد سكانها على ستين ألف نسمة تمثل بستة أعضاء.
يمكن القول إن البيان قد أوضح الصورة التي سيكون عليها المجلس البلدي الذي سيضم تحت قبته مئة واثنين وتسعين عضوًا، ما يعني وجوب انتخاب العضو الأكفأ الذي يمتلك الإمكانات والمستويات اللازمة من الثقافة والفكر والقدرة على التوقع، نظرًا لما يترتب على المجلس البلدي من أدوار مهمة في التنمية المحلية، سواء في عمليات الاستثمار أو المشاريع العمرانية أو مشاريع القرارات والتقدم بالاقتراحات البناءة، ودراسة التقارير المتعلقة بمشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة وغيرها الكثير، وهذه تتطلب أعضاء يمتلكون القدرات الذاتية التي تؤهلهم للتعاطي مع مثل هذه المسائل، فضلًا عن أن المجالس البلدية هي مكملة لخطوة التقسيم الإداري الجديد بتحويل المناطق إلى محافظات وتنظيم عمل المحافظين بالاتجاه نحو اللامركزية، وإعطاء النطاق الأهلي البشري القدرة على القيام بما يحتاج إليه من التنمية.
إن تأسيس المجالس البلدية لا يعني تخلي الحكومة عن دورها التنموي، وإنما يأتي لإعطاء عملية التنمية دفعة إلى الأمام ولتعزيز المشاركة الشعبية وتطوير المجتمع العماني بسواعد موحدة ومتكاتفة ومتلاحمة ومتحابة.