في أعنف الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها سوريا بعد نشوب الاحتجاجات فيها، هز انفجاران انتحاريان قويان العاصمة دمشق صباح أمس راح ضحيتهما مئات القتلى والجرحى إضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة، وذلك في الصباح الباكر أثناء توجه الموظفين إلى أعمالهم والطلاب إلى مدارسهم.

إن توالي هذه الهجمات في الوقت الذي يفترض فيه أن يسود الهدوء عموم سوريا وفق خطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، يعد مؤشرًا خطيرًا على أن هناك من يسعى سعيًا جادًّا إلى نسف خطة أنان برمتها، وإدخال سوريا وشعبها في دوامة متصلة الحلقات، بحيث لا تتوقف هذه التفجيرات، ما يعني أن المراد من هذه التفجيرات الإرهابية أن تكون هي السلاح الجديد المستخدم في تحقيق الأجندة والأهداف التي يسعى إليها من يقفون وراء هذه الهجمات الإرهابية ويدعمون منفذيها.

إن هذين التفجيرين اللذين ليسا الجديدين ولا نعتقد أنهما سيكونان الأخيرين، يبعثان بإشارات جد خطيرة وهي أن التماسك القوي والصلب للحكومة السورية ومؤسساتها العسكرية والأمنية والذي أصبح محيرًا، بل ومزعجًا ومقلقًا لأولئك الذين يراهنون على حدوث انشقاقات كبيرة جدًّا بما يشبه قطع الدومينو في الحكومة السورية خاصة بعد قبول دمشق خطة المبعوث الدولي وبدء سريانها، لا يمكن أن يفك هذا التماسك سوى هذا النوع من الهجمات الإرهابية لا سيما في ظل استحالة التدخل العسكري الأجنبي المباشر على الأقل في الوقت الراهن ورفض خيار تسليح المعارضة السورية بسبب المعارضة القوية لكل من روسيا والصين، ولذلك فإن ما عُجِزَ عن القيام به من السماء يتم تنفيذه على الأرض، وبالتالي في تقديرنا أن هذا الأسلوب الرديء الذي ينم عن قلوب وأنفس مريضة وحاقدة صناعتها الكره والتفرقة والقتل ونشر الإرهاب سوف يستمر ما دامت هناك جهات تنظر إلى الأزمة السورية بعين واحدة، وتفتح بين الحين والآخر إسطوانات الاتهامات الممجوجة والمملة والمكشوفة والموجهة دومًا باتجاه الحكومة السورية، وترفض النظر إلى موبقات الطرف الآخر الذي لا يريد أن يوقف هجماته.

ومثلما جرت العادة حين يقع تفجير إرهابي أو عملية إرهابية ضد المدنيين السوريين أو ضد أفراد الجيش السوري تفتح تلك الإسطوانات المشروخة التي تُتَّهم فيها الحكومة السورية بالتنفيذ عبر وسائل الإعلام المعروفة، فإن إلصاق هذين التفجيرين الإرهابيين اللذين ندينهما بأشد عبارات الإدانة بأنهما مسرحية من تدبير الحكومة السورية فهذا أمر مرفوض؛ لأنه مجرد من أي مشاعر إنسانية، وفي الوقت الذي يبرئ ساحة الحكومة السورية يكشف مدى تجرد القلوب من أي رحمة أو شفقة أو تعاطف تجاه أولئك الضحايا الأبرياء الذين سقطوا دون ذنب.

الاعتقاد أو حتى مجرد الزعم بأن هذين التفجيرين والانفجارات السابقة هي من تدبير الحكومة السورية بدعوى "أنهما كبيران وقويان وليس في مقدور المعارضة تنفيذهما"، هو اعتقاد خاطئ وليس في محله؛ لأن من السذاجة ومن الغباء بمكان أن تستهدف الحكومة السورية مركز قوتها وهيبتها لترسل رسائل مغلوطة إلى معارضيها بأن قبضتها الأمنية بدأت تتضعضع، ما يشجع على عمليات الاستهداف، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى ليس هناك ارتباط بين قوة الانفجار وضعفه وبين حكومة أو جماعة أو أفراد، فهذا مردود عليه، فتنظيم القاعدة عبارة عن أفراد، لكنه تبنى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، فضلًا عن أن التنظيم موجود في سوريا ويقاتل في صف المعارضة السورية المسلحة. قلناها مرارًا ونكررها إن التفجيرات تكشف ما ذهبنا إليه وهو أن المطلوب رأس الدولة السورية وجيشها الوطني الباسل، وليس دفاعًا عن حقوق معارضة سورية والمطالبة بتحقيقها.