بُعيْدَ النكبة عام 1948م التي قام أثناءها الصهاينة باغتصاب أرض فلسطين التاريخية، وإقامة كيانهم الصهيوني الغاصب على أنقاضها، خرجت من رحم هذا الاحتلال ثلاث ركائز في المنطقة لتعبر عن رفضها هذه السرقة غير المسبوقة في تاريخ الأمم والشعوب الحرة، هذه الركائز الثلاث هي: الجيش المصري والجيش العراقي والجيش السوري، هذه الجيوش الثلاثة شكلت أضلاع المثلث المقاوم للاحتلال، والرافض لهذه المؤامرة التي دبرت بليل ضد المنطقة التي بتنفيذها لن ترفل شعوب المنطقة بعد ذلك في نعيم الاستقرار والرخاء والأمان والطمأنينة والتنمية.
وقد كانت آنذاك القومية العربية والكبرياء والكرامة تملأ أركان المنطقة والأنفس والقلوب للشعوب العربية، وفي أعلى درجاتها ترفض الإذلال والخنوع والظلم، فما كان من هذا الثالوث المقاوم، ومن خلفه شعوب الأمة العربية، إلا تقديم التضحيات والدماء الزكية رخيصة دفاعًا عن شرف المنطقة وعرضها وذودًا عن حياضها، فخاض حروبًا مع العدو الصهيوني ـ الذي بدأ يتمدد ويتوحش رويدًا رويدًا بفضل الدعم الغربي غير المحدود ـ في سبيل استعادة الحق العربي السليب "فلسطين" ونصرة الأشقاء الذين تعرضوا لظلم من نوع آخر لم يعرفوه من قبل، يقوم على نهب الأرض وقتل أهلها وأصحابها الحقيقيين وتشريدهم.
ومنذ ذاك التاريخ وإلى اليوم بقيت أضلاع المثلث المقاوم (الجيش المصري والجيش العراقي والجيش السوري) في حسابات العدو الصهيوني مؤيدًا بدعم فولاذي غربي قوي، لتبدأ معركة تفكيك المثلث وتكسير أضلاعه إلى الأبد.
فقد كان الجيش المصري أول أضلاع المثلث يتم خلعه وتحييده وإخراجه من معادلة الصراع، حيث أخرجت اتفاقية كامب ديفيد هذا الجيش العتيد الذي يشهد له التاريخ ببطولاته وتضحياته من معادلة الصراع، وما يجري اليوم على أرض مصر منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير، أغلبه يتعلق بالجيش المصري، إذ محاولات تشويه هذا الجيش ومحاولة جره إلى أتون مواجهات مع أبناء بلده واضحة وليست بخافية. أما الضلع الثاني من المثلث وهو الجيش العراقي فبدأت مؤامرة خلعه وتكسيره بوقيعة إدخاله في حرب مدمرة مع إيران دامت ثماني سنوات، وقد خرج منها منتصرًا وأكثر قوة، ما أغاظ أعداء الأمة، لتحاك له مؤامرة غزو الكويت.
وفي طريق عودته بعد الانسحاب تم استهدافه وتدمير العديد من آلياته العسكرية، لتنطلق بعد ذلك فصول الحصار وكيل الاتهامات المزعومة والمفبركة للحكومة العراقية بامتلاك أسلحة دمار شامل، وابتزاز سيادة العراق بلجان المفتشين الدوليين الذين تمادوا في ذلك لدرجة طلب تفتيش غرفة نوم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ومن ثم القيام بتدمير مخزون القوات العراقية من الصواريخ، لينتهي المطاف بالجيش العراقي ـ بعد التأكد من خلو العراق من أي سلاح ذي فعالية ـ إلى حله بقرار من المحتل الأميركي.
وبذلك أخرج العراق بأكمله وليس جيشه فحسب من معادلة الصراع. ولم يبقَ من المثلث سوى ضلعه الأخير وهو سوريا وجيشها، الذي يعد الحصن الصامد الباسل في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وما يحدث الآن على أرض سوريا هو الفصل الأخير من فصول مؤامرة تفكيك رموز القوة العربية وعناصر المقاومة، حيث تسير مؤامرة تدميره والقضاء عليه بصورة مدروسة بعناية فائقة، فما يحدث الآن هو بالضبط عملية استنزاف تقوم بها أطراف بالوكالة بهدف إنهاكه الذي سيترتب عليه ـ كما يأمل ويخطط المتآمرون ـ سقوط الحكومة الحالية، والإتيان بحكومة موالية، تقوم بالإجهاز النهائي على هذا الجيش العربي الأبي من خلال توزيعه على ميليشيات تتقاتل فيما بينها حسب هوية أفراده الذين يشكلونه الطائفية والمذهبية، حيث ستذهب العناصر إلى الطائفة التي تنتنمي إليها.
ولذلك، فإنه على الرغم من استجابة الحكومة السورية للمساعي الدولية السلمية وتنفيذها خطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، فإن الأطراف التي دخلت على خط المؤامرة لن تسمح بنجاح هذه المساعي وخطة أنان، ولن تتراجع عن مخططها حتى يتحقق هذا الهدف، لأن خروج الجيش العربي السوري منتصرًا يعني خروجه أقوى، بما اكتسبه من قدرة ومزيد من التدريب في عملياته ضد العصابات المسلحة، بينما المطلوب رأس هذا الجيش خاصة وسوريا عامة.