وزير المال محمد الصفدي حشر الجميع في الزاوية بعدما رفض صرف أي قرش ما لم يتم إصدار مرسوم إنفاق ال8900 مليار ليرة.
هو على حق في ذلك، ولهذا سارع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى التواصل مع رئيس الجمهورية ثم مع رئيس مجلس النواب سعياً لإيجاد مخرج لهذه العقدة التي يبدو أنها بدأت تتحوَّل إلى مستعصية، فإذا مرَّ غداً الأربعاء من دون إيجاد هذا المخرج فإن البلاد قد تدخل في أزمة مالية حقيقية حتى ولو تمَّ تأمين دفع الرواتب، فهناك أشياء أخرى غير الرواتب، وقد بدأت بعض القطاعات والمؤسسات تعاني منها كالمؤسسة العسكرية ومؤسسة قوى الأمن الداخلي.
السؤال هنا:
ماذا يمكن أن نستنتج من هذه الأزمة المستجدة، وهي في طبيعتها أزمة قديمة - جديدة؟
الإستنتاج الأول والأساسي هو:
هذه عاقبة التأجيل، فالرئيس نجيب ميقاتي يداوي ملفاته بتأجيلها، هكذا فعل في معظم الملفات التي سبق وطُرِحَت، وكان يتم التأجيل من خلال تطيير جلسات مجلس الوزراء.
اليوم لم يعد بالإمكان الإعتماد على الأسلوب نفسه، فتطيير الجلسات سيؤدي إلى إنفجار الوضع المالي والإقتصادي والمعيشي، أما المعالجات المطروحة فإنها لا تعالج سوى جزء من المشكلة لا كلها.
أين تكمن العقدة؟
تحاول قوى الثامن من آذار أن تقول إن الإنفاق السابق مسؤولة عنه قوى 14 آذار من حكومات العام 2005 وصولاً إلى الحكومة السابقة، حكومة الرئيس سعد الحريري. هذا كلامُ حق يُراد به باطل، فالإنفاق قامت به الحكومات السابقة مجتمعةً وهي كانت حكومات إئتلافية وحكومات وفاقية ولم تكن من لون واحد كما هي الحال اليوم، وعليه فإن تحميل المسؤولية إلى الحكومات السابقة يستدعي تحميل المسؤولية أيضاً للوزراء الذين كانوا يشاركون فيها وعددهم كان يصل إلى الثلث المعطِّل، هل نسينا هذه العبارة السحرية؟
ألم تسقط حكومة الرئيس سعد الحريري باستقالة الثلث منها بالإضافة إلى استقالة الوزير الوديعة عدنان السيد حسين الذي كان أحد وزراء رئيس الجمهورية ثم انقلب إلى وزير في فريق الثامن من آذار؟
كيف يكون الصرف من فريق واحد فيما الفريق الآخر له في الحكومة أحد عشر وزيراً من ثلاثين؟
وحكومة الرئيس السنيورة الثانية ألم تكن تعاني المشكلة ذاتها؟
قبل اعتكاف وزراء حزب الله وحركة أمل والوزير المحسوب على رئيس الجمهورية آنذاك العماد إميل لحود، ألم تقم بالإنفاق مجتمعةً؟
إن أكثر الوزارات التي تُسبب الإنفاق هي وزارة الطاقة التي تقع دائماً تحت وطأة أسعار الفيول وغيرها، فبأيدي مَن كانت هذه الوزارة على مدى السنوات العشر الأخيرة؟
ألم تكن بيد وزراء محسوبين على الثامن من آذار؟
إن فرز الإنفاق بين 14 آذار و8 آذار هو بدعة من أغرب البِدَع، وإذا بقي الأمر على هذا المنوال فإن الحكومة والمجلس النيابي مجتمعَيْن لن يصلا إلى أي نتيجة إيجابية، بل ستتجمَّع النتائج السلبية لتؤدي إلى شلل البلد لعلّ الرئيس برّي الوحيد الذي قد يجد المخرج.