بالرغم من الخطوات التي تم اتخاذها، خاصة من جانب جمهورية مصر العربية الشقيقة من أجل العمل على احتواء المواجهات بين السودان ودولة جنوب السودان، وهي الجهود التي أيدتها جامعة الدول العربية، وأسفرت عن إطلاق سراح عدد من الأسرى السودانيين، إلا انه يبدو أن هناك من يعمل، وبشكل متزايد من أجل تأجيج النزاع، وتصعيد المواجهات المسلحة بين دولتي السودان، خاصة في هذه الظروف الصعبة والدقيقة التي تمر بها المنطقة العربية.

ومع الوضع في الاعتبار أن انفصال جنوب السودان واستقلاله عن دولة السودان قد ترتب عليه بالطبع الكثير من المشكلات الاقتصادية والمالية والتنظيمية، والحدودية أيضا، وفي مجال تقسيم الموارد بين دولتي السودان، وهى أمور معروفة على نطاق واسع، إلا أنه من غير المفيد، ولا المقبول أن تشتعل الحدود بين شطري السودان، وهما الدولتان اللتان تجمع بينهما العديد من الوشائج والصلات والحياة المشتركة في ظل السودان السابق.

 كما أنه لا يزال هناك عشرات، وربما مئات الآلاف من أبناء كل من الدولتين في الدولة الأخرى، وبالتالي فإن القتال واللجوء إلى الحرب والسلاح لحل الخلافات ليس بالقطع أفضل، ولا أنسب السبل في هذا المجال. وإذا كانت دولة جنوب السودان قد استولت على منطقة هيجليج النفطية التي تعد جزءا من السودان، فإن سحب قواتها منها وسيطرة الخرطوم عليها مرة أخرى من شأنه أن سيكون حافزا وكافيا لوقف العمليات والحرب بين شطري السودان، بل والسعي إلى الدخول في مفاوضات جادة من اجل الاتفاق بين دولتي السودان لحل كل الخلافات بينهما، بما في ذلك الخلافات الحدودية عبر التفاوض والتفاهم بين الجانبين، وبروح تسمح بالإبقاء على فرص وإمكانيات التعاون فيما بينهما إلى أبعد مدى ممكن لصالح الدولتين والشعبين في السودان وجنوب السودان.

وفي هذا الإطار فإنه ينبغي دعم ومساندة الجهود المصرية، وكذلك الجهود والمساعي التي يقوم بها الاتحاد الإفريقي، الذي اضطلع بدور ملموس خلال الفترة الماضية، سواء في المساعدة في تنفيذ استقلال جنوب السودان، أو في التغلب على الخلافات التي ظهرت بين جوبا والخرطوم في الأشهر الماضية، ولعل ذلك يساعد في إعادة تنشيط محادثات أديس أبابا بين الجانبين مرة أخرى وبشكل أكثر فعالية والالتزام أيضا بما يتم التوصل إليه من اتفاقات بين الطرفين.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه السودان ودولة جنوب السودان إلى كل مواردهما، وكل إمكانياتهما، من اجل بناء التنمية وتحقيق حياة أفضل للمواطن السوداني في شطري السودان الشقيق، فإنه من المؤكد أن الحرب بين الخرطوم وجوبا لن تؤدي إلا الى مزيد من الخسائر في الأرواح والموارد وإثارة الكثير من المشكلات، وهما في غنى عنها بالقطع. ولذا فإنه من الأهمية بمكان المسارعة بقطع الطريق أمام الأطراف التي تريد إشغال المواجهة بين شطري السودان للاستفادة منها، ولخدمة أغراضها في الاقتراب والتغلغل أكثر في جنوب السودان لأسباب عديدة ومعروفة، ولعل الجهود المصرية والعربية تنجح في احتواء الخلافات ووقف القتال والدخول في مفاوضات لا غنى عنها لبناء علاقات أفضل تخدم مصالح الجانبين، وهى مصالح كثيرة ومتشعبة، ولا يمكن لأحد الطرفين إلغاءها بسهولة