في هذا العصر تتعدد الصور التي تستنزف المجتمعات وتحرمها من أميز طاقاتها وأبرزها، فهناك من المجتمعات ما حطمتها الحروب العسكرية التي فرضت عليها، وضربت مكامن قوتها ودعامتها في مقتل، وقطَّعت نسيجها وأواصر تواصلها، ومن المجتمعات ما ابتليت باحتلال غاشم كريه فَشَلَّ حركة نموها وأعادها إلى قرون التخلف، ومنها ما حاول الاحتلال القضاء عليها عبر تدمير شبابها، وتمزيق نسيجها الاجتماعي والأسري.
ومجتمعنا العماني لا يختلف عن بقية المجتمعات الأخرى من حيث تعرضه لحروب لا تقل دمارًا عن الحروب العسكرية والاستعمار والاحتلال، ولعل أقسى حربين فرضتا على مجتمعنا العماني اليوم وتدفعاه ثمنًا باهظًا، هما حرب المخدرات والمؤثرات العقلية، وحرب حوادث السير. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هاتين الحربين بدأتا في ترسيخ أوضاع اقتصادية وأمنية واجتماعية خطيرة، والبدء في إحداث تدمير داخلي؛ أي تآكل مجتمعنا من الداخل، نتيجة شدة هاتين الحربين وضراوتهما، وذلك بالنظر إلى الفئة التي تستهدفانها، ألا وهي فئة الشباب التي معروف عنها أنها الدعامة الحقيقية لأي مجتمع وعصب حياته النابض.
وعلى الرغم من محاولات المجتمع المتكررة دق ناقوس الخطر لانتشاله من هذا الخطر الداهم، والانتباه إلى أن هذا الوحل سوف يقضي على ما تبقى من أخلاق عامة وقيم وأعراف وعادات وتقاليد، وسوف يدفع بالمزيد من أسلحته ليحصد المزيد والمزيد من زهرة شباب المجتمع، ويمزق النسيج الاجتماعي ويودي بالاقتصاد الوطني، فإن الاستجابة لا تزال خجولة، فضلًا عن أنها متأخرة في بعضها، وفي بعضها الآخر تواجه الاستجابة المصحوبة بالتشريعات والقوانين الجديدة تحديًا، ليس في عملية التطبيق وإنفاذ هذه القوانين والتشريعات فيما يخص حوادث السير، وإنما على الرغم من صرامتها فإن الحوادث لا تزال تقع بوتيرتها المعهودة وتحصد الكثير من طاقات المجتمع، فمن المؤلم أن يشهد اليوم الواحد وفاة أكثر من سبعة أفراد، ومؤلم ومحزن أن يشهد أسبوع واحد وفاة خمسة وثلاثين (35) شخصًا وإصابة مئة وتسعة وسبعين (179) آخرين في مئة وستة وخمسين (156) حادث سير.
إن خطوة مجلس الوزراء بتشكيل فريق عمل لإعداد خطة متكاملة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بدءًا من التصدي لتهريبها وانتهاء بمراحل علاج المدمنين وتأهيلهم خطوة هامة وأساسية لشحذ إمكانيات الدولة والمجتمع للتصدي لهذا الخطر، ومتابعة منه، ناقش المجلس تقرير الفريق المكلف بذلك وما تضمنه من إجراءات لمكافحة هذه الظاهرة.. حسب ما جاء في بيان نتائج اجتماعات مجلس الوزراء لشهر أبريل، وخيرًا فعل معالي الفريق المفتش العام للشرطة والجمارك بإصدار قرار بإنشاء إدارة عام لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، إلا أنه إزاء ذلك يبقى لازمًا أن تفعَّل القوانين المتعلقة بالمرور والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الاستخفاف بحياته وبحياة الآخرين، كما يجب أن يعلو سقف العقوبات بالنسبة لمدمني المخدرات وما يدخل في إطارها والمروجين والبائعين لها، لأن التبسط في العقوبة عامل مشجع على اقتراف الجرائم.
إن حربي المخدرات والمؤثرات العقلية وحوادث السير، تتطلبان وقفة حازمة من قبل المعنيين لتجنيب المجتمع مخاطر الدمار، ولأجل محافظته على حيويته ونشاطه وشبابه ونموه وازدهاره، وعلى عاداته وتقاليده ومبادئه وقيمه وأخلاقه، وتوظيف الأموال والطاقات التوظيف الأمثل والصحيح والاستفادة منهما أفضل استفادة، ولذلك لا بد من تبني مشروع وطني شامل يتضمن معاني الحياة وقيمتها، وأهمية الشباب داخل المجتمع، وترسيخ الهوية الوطنية والحرص على الطابع الأخلاقي الذي يتميز به المجتمع العماني، وترسيخ الأخلاق الحميدة وتوعية جيل الشباب من مخاطر هذه الآفات والموبقات وتداعياتها الوخيمة على المجتمع والأسرة، وتحصين الأسر وتقوية اللحمة الاجتماعية ومقاومة الانحرافات السلوكية والانحلال الأخلاقي.