لم يعد من نافلة القول أن الربيع العربي رسخ بديهيات وقناعات لا بد من الأخذ بها إذا أرادت الأنظمة الخروج من المأزق الذي وصلت اليه، ويتمثل في ثلاثية القمع والفساد والتوريث، وفي مقدمتها الاستجابة لخيارات الشعوب في الحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة.
ومن هنا فأي التفاف على تلك الخيارات لإجهاضها، أو تفريغها من محتواها، لن يكتب له النجاح، وسيكون مصيره الفشل، بعد أن قررت الشعوب أن لا تراجع عن تحقيق كامل أهدافها جملة واحدة، وطي صفحات القمع والاستبداد والفساد وحكم الحزب الواحد والدولة الشمولية وآفة التوريث، وقيام دولة مدنية حديثة احتكاماً لصناديق الاقتراع، قوامها العدالة والمساواة.
ومن ناحية أخرى، وجه الربيع العربي رسالة للأنظمة بالكف عن الاحتكام للقوة العسكرية والحلول الأمنية بعد فشل تلك الحلول، كما حدث في ليبيا، ويحدث الآن في الشام.. وأن لا بديل أمام الأنظمة إلا الاحتكام للحوار الهادف البناء، ومحاورة كافة الأطياف، ومكونات المجتمع، وفعاليات الحراك الشعبي.. للوصول لوفاق وطني.. وقواسم مشتركة من شأنها تحقيق الإصلاح الشمولي والتغيير والتطوير، وترسيخ الديمقراطية والتعددية والانتخابات النزيهة إيذاناً بإنهاء مرحلة، وبداية أخرى.
وفي هذا الصدد، كم هو مفيد أن نشير الى تجربة الأردن الفذة ونهجه الحضاري المتمدن، حينما اعتمدت الفعاليات الشعبية الحراك السلمي، كوسيلة وحيدة لتحقيق الإصلاح ومحاربة الفساد، وإجراء انتخابات نزيهة وصولاً الى تداول السلطة، وهو ما أدى لتشريع رزمة من القوانين تمهد للإصلاح السياسي، وتتوج قريباً بإجراء انتخابات نيابية، تفضي الى مجلس نواب قادر على تمثيل كل الأردنيين، وتفعيل ثلاثية: المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وقادر على إعادة ثقة المواطنين بالسلطة التشريعية.
مجمل القول: لا مناص أمام الأنظمة إذا أرادت الخروج من المأزق الذي وصلت اليه.. إلا الأخذ بخيار الحرية والديمقراطية وتداول السلطة، والاستجابة لخيارات الشعوب من خلال الحوار الهادف البناء، والإقلاع الى غير رجعة عن نهج الاحتكام للقوة والحلول الأمنية.. بعد فشل هذا النهج، وخطورة تداعياته والمتمثلة بفتح الباب على مصراعيه للحروب الأهلية، والتدخلات الأجنبية، كما حدث في ليبيا، وها هو يترجم على أرض الشام.