على الرغم من نجاح مجلس الأمن في استصدار قرارين بإرسال مراقبين إلى سوريا بفضل الدعم السياسي والدبلوماسي الروسي والصيني، في محاولة جادة منهما لإنجاح خطة كوفي أنان المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، فإن المؤشرات تسير باتجاه إعادة إنتاج سيناريو مكرر لعمل المراقبين الدوليين، واستنساخ السيناريو الذي رافق مهمة بعثة المراقبين العرب والحملات التي شنت ضدهم للتشكيك في موضوعيتهم وحياديتهم ودقتهم، واتهامهم بالحيدة عن مسار الحقيقة وتبني رؤى ومواقف الحكومة السورية.
فبمجرد أن دخلت طلائع بعثة المراقبين الدوليين بدأت حملات التشكيك ضدهم بدءًا من قلة عددهم والضغط على مجلس الأمن لرفع عددهم إلى ثلاثمئة مراقب وفق قرار مجلس الأمن الأخير، حيث كانت الحجة أن هذا العدد القليل لا يمكنه أن يراقب كل الأحداث بامتداد سوريا، ومرورًا بالتحجج بأن الجيش السوري يوقف قصفه عن المدن والضواحي والأرياف التي يتواجد بها المراقبون الدوليون، وينتهز الجيش الفرصة في قصف مدن وضواحٍ وأرياف أخرى، وانتهاءً بآخر نغمة تظهر على الفضائيات على لسان قيادات محسوبة على المعارضة بأن ذوي القبعات الزرق لا يؤدون دورهم المطلوب، بدليل ـ كما يزعمون ـ أن الجيش السوري عاود قصف مدينة حمص وسقط فيها قتلى، في حين كانت كل التغطيات الإخبارية تنقل تواجد المراقبين الدوليين وتؤكد أن الهدوء يخيم على المدينة، وأن اثنين من المراقبين بقيا داخل حمص نزولًا عند رغبة الأهالي، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يخيم الهدوء ويعود القصف في آن معًا، مع أن القوات والأسلحة الثقيلة قد سحبت من المدينة التي ظل فيها مراقبان؟
على الجانب الآخر، لم تتوقف عمليات تهريب الأسلحة إلى المعارضة السورية المسلحة التي زعمت أنها ملتزمة بوقف إطلاق النار، حيث أوقفت مخابرات الجيش اللبناني أمس ـ على سبيل المثال ـ شحنة أسلحة وقذائف مضادة للدروع في طريقها للتهريب إلى سوريا، فهذان الأمران يؤكدان ما ذهبنا إليه في آرائنا السابقة وحذرنا منه، بأن ما سيجري هو تشويه مهمة المراقبين الدوليين في سيناريو مكرر ومشابه لسيناريو المراقبين العرب وإنهاء مهمتهم حتى قبل أن تصل منتصف الطريق، خاصة بعد أن جاءت تقاريرهم إيجابية تغاير الدعاية الإعلامية، والأمر الآخر الذي حذرنا منه أنه ما لم تكن هناك ضمانات موثقة من قبل المعارضة السورية المسلحة وداعميها، فلا نجاح سيكتب لخطة أنان، لأن هذه المعارضة المسلحة متشرذمة ومنفلتة وليس لها قيادة مركزية تقودها، هي أشبه بعصابات، على أن الأمر الأهم في ذلك هو: كيف لدول تبنت البيان الرئاسي لمجلس الأمن الدولي الداعم لخطة أنان وقراريه بإرسال المراقبين، وتناقض ذلك في السر والعلن بدعم المعارضة السورية المسلحة بالمال والسلاح وبحملات التشويه والتشكيك وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على سوريا؟
لقد كان لدى الروس القراءة الصحيحة لطبيعة الأزمة السورية وتحركات الأطراف الأخرى، حين أكدوا ـ كما جاء على لسان سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي ـ أن "هناك دولًا وقوى خارجية غير راغبة في نجاح جهود مجلس الأمن الدولي، ولهذا تحاول بشتى الوسائل استبدال تلك الجهود بأشكال غير رسمية مثل (مجموعة أصدقاء سورية) وتحفز المعارضة على عدم التعاون مع الحكومة في مجال ضمان الهدنة وبداية الحوار مستقبلًا".. فهل يا ترى ستكون نهاية مهمة القبعات الزرق أسرع من مهمة المراقبين العرب، لاستعجال الحلول العسكرية مثلما يتصور حدوثه الساعون إلى إفشال خطة أنان؟ أم هناك كلمة أخرى لدى الأطراف الساعية للحلول السياسية المنطقية والعقلانية تكون أقوى؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.